سفريوي محمد
رحل نبيل لحلو، واحد من آخر المشاكسين الكبار في السينما والمسرح المغربي، وأحد الذين لم يعتبروا الفن مهنة فقط، بل موقفًا ووسيلة عنيدة وجادة لمساءلة السلطة والذوق السائد واليقينيات الجاهزة.
أتذكر آخر مرة التقيته فيها صدفة ودون سابق معرفة شخصية، بالرباط، خلال إحدى مسيرات حركة 20 فبراير سنة 2011. كان واقفًا وسط الحشود، يراقب المشهد بفضول وإعجاب واضحين. شباب يحاولون، بحماس مرتبك وعفوي، إعلان وصول ربيع طال انتظاره في المغرب والمنطقة. المفارقة أن كثيرين ممن كانوا يهتفون يومها لم يتعرّفوا على الرجل. كان ينتمي إلى جيل البدايات؛ جيل اكتشفناه نحن الذين شاهدنا أفلامه ومسرحه بدهشة، وأثارت أعماله فضولنا أكثر مما منحتنا أجوبة جاهزة.
سألته يومها عن رأيه كسينمائي في ما يجري، وهل هناك حاجة إلى توثيق إبداعي لتلك اللحظة حتى تجد مكانها اللائق في الذاكرة المغربية. أجاب بحماسة حقيقية: “طبعا”. كان مقتنعًا أن ما يقع أكبر من حدث عابر، وأنه يفرض على السينما والفن مسؤولية التقاطه وتأويله.
لكنني، بدافع رغبة في تحفيز الرجل على الحديث أكثر، طلبت منه أن يكون العمل المفترض هذه المرة واقعيًا، بعيدًا عن السوريالية الساخرة التي طبعت تجربته. اعترض بشدة، وكأنه يدافع عن جوهر مشروعه كله، معتبرًا أن السوريالية والسخرية ليستا تبخيسًا للواقع، بل ربما الوسيلة الأكثر قدرة على قول ما تعجز الواقعية المباشرة عن قوله. كان يرى أن الفن لا يكتفي بعكس العالم كما هو، بل يفضحه ويعرّيه عبر المفارقة والعبث والدهشة.
ذلك كان نبيل لحلو تمامًا: سينمائي ومسرحي لا يثق كثيرًا في الخطاب المباشر، ولا في الصور المطمئنة، ولا في الواقعية التي تتحوّل أحيانًا إلى مجرد تسجيل بارد للوقائع. لذلك ظل وفيًا لأسلوبه، الساخر والمزعج والمليء بالتغريب، من (أوفيليا لم تمت بعد) إلى (نهيق الروح) إلى (إبراهيم ياش) وغيرها، حيث كان يصر على أن الصدمة الجمالية ليست ترفًا، بل ضرورة لفهم مجتمع يعيش تناقضاته الكبرى.
كان متفردًا جدًا، وبصورة تليق بفنان حقيقي. حدث أن عرض إحدى مسرحياته أمام متفرج وحيد في مسرح كبير، وكان ذلك المتفرج الوحيد جمهورًا كافيًا له.
ظلمته جل المؤسسات الثقافية، لأن آراءه لم تكن مهادِنة، تمامًا كأعماله. في أيامه الأخيرة، كان الراحل في جولة مسرحية بعنوان )نبيل لحلو يحكي نبيل لحلو .( لم يكن مجرد عرض، بل كان تحديًا للتفاهة والسطحية، وكان أيضًا مديحًا للحرّية.
برحيله لا نفقد فقط مخرجًا أو مسرحيًا، بل نفقد نموذجًا لمبدع اختار أن يبقى خارج الجوقة، وأن يدفع ثمن استقلاله كاملًا. وفي زمن تتشابه فيه الأصوات والصور أكثر من أي وقت مضى، يبدو رحيل أمثال نبيل لحلو تذكيرًا مؤلمًا بأن الفن الحقيقي يبدأ غالبًا من المشاكسة، ومن الجرأة على الاختلاف.
* كاتب من المغرب

Leave a Reply