بين الجباية والإنتاج: لماذا يفشل الاقتصاد حين تُعاقَب المشاريع الصغيرة؟

صحيفة الهدف

المحرر الاقتصادي

في كل مرة يُطرح فيها سؤال البطالة في السودان، أو ضعف الإنتاج، أو هجرة الشباب، يتجه النقاش غالبًا نحو شماعات جاهزة: ضعف التمويل، العقوبات، الحرب، أو تراجع الاستثمار. لكن الحقيقة الأكثر إيلامًا هي أن جزءًا كبيرًا من الأزمة صُنع داخل السياسات الاقتصادية نفسها، وتحديدًا في الطريقة التي تتعامل بها الدولة مع المنتج الصغير قبل أن يبدأ أصلًا.

في السودان، لا يدخل الشاب إلى عالم الإنتاج باعتباره شريكًا في التنمية، بل يدخل إليه وكأنه متهم، يُطلب منه أن يدفع ثمن “محاولة العمل”. فمنذ اللحظة الأولى، تبدأ الرسوم والتصاديق والضرائب والزكاة والجبايات المختلفة في مطاردته، قبل أن ينتج، وقبل أن يبيع، وأحيانًا قبل أن يفتح أبواب مشروعه.

وهنا تظهر المفارقة الخطيرة: الدولة تقول إنها تريد تشجيع الإنتاج، لكنها عمليًا تجعل تكلفة البداية أعلى من قدرة المنتج نفسه. فالشاب الذي يريد إنشاء ورشة صغيرة، أو مصنع مواد غذائية، أو مشروع صابون، أو معمل تعبئة، يجد نفسه أمام شبكة معقدة من الرسوم والإجراءات والضرائب والجمارك، وكأن الاقتصاد يعاقب من يحاول أن يعمل. والنتيجة الطبيعية ليست زيادة الإنتاج، بل هروب الناس منه أصلًا.

ولهذا توسعت أنشطة السمسرة والاقتصاد الطفيلي والهجرة والعمل غير الرسمي، لأن كثيرًا من الشباب اكتشفوا أن الربح السريع في التجارة الهامشية أو المضاربة أو حتى الهجرة، أقل كلفة من الدخول في معركة طويلة مع البيروقراطية والجبايات.

المشكلة هنا ليست فقط في حجم الضرائب، بل في فلسفة الدولة تجاه الاقتصاد نفسه. فالدولة التي تبحث عن الإيرادات السريعة من أي مشروع ناشئ، تشبه المزارع الذي يقتلع الزرع قبل أن ينمو لأنه يريد أن يأكل الثمرة مبكرًا. الاقتصاد الحقيقي لا يُبنى بالجباية، بل بالإنتاج. والدول التي نجحت صناعيًا لم تبدأ بخنق المشاريع الصغيرة، بل بحمايتها ورعايتها حتى تكبر.

فالمصنع الصغير ليس مجرد مشروع فردي، بل نواة لسلسلة اقتصادية كاملة: وظائف، حركة نقل، طلب على المواد الخام، تنشيط للأسواق، وتقليل للاستيراد. أما حين تُخنق هذه النواة في بدايتها، فإن الاقتصاد كله يفقد قدرته على التوسع.

في السودان، نحن لا نعاني فقط من نقص المصانع، بل من بيئة تطرد أي محاولة لإنشاء مصنع. لذلك فإن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يجب أن يبدأ من إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمنتج الصغير: من كونه مصدرًا محتملًا للجباية، إلى كونه قوة إنتاج يجب أن تنمو أولًا.

ومن هنا يمكن التفكير في خطوات عملية واضحة:

1/ إعفاء المشاريع الإنتاجية الصغيرة من الضرائب والرسوم في سنواتها الأولى.

2/ تخفيض أو إلغاء الجمارك على مدخلات الإنتاج والآلات.

3/ تبسيط الإجراءات الإدارية والتصاديق.

 4/ إنشاء نافذة موحدة لإنجاز المعاملات.

5/ توجيه التمويل نحو الإنتاج بدل الأنشطة الاستهلاكية.

6/ ربط الإعفاءات بعدد الوظائف وحجم الإنتاج الفعلي.

هذه ليست رفاهية اقتصادية، بل شروط بقاء لأي اقتصاد يريد أن يتحرك. فالدولة التي لا تساعد الناس على الإنتاج ستظل تدور في دائرة البطالة، وضعف العملة، والاعتماد على الاستيراد.

ومن زاوية أعمق، ترتبط هذه الأزمة بطبيعة النموذج الاقتصادي القائم نفسه. فحين تغيب الرؤية التنموية، ويتراجع التخطيط، تتحول الدولة تدريجيًا إلى جهاز جباية أكثر من كونها دولة تنمية. وعندها يفقد الاقتصاد روحه الإنتاجية، ويتحول المجتمع إلى فضاء للاستهلاك والوساطة والمضاربة.

الدولة القوية ليست التي تجمع أكبر قدر من الضرائب، بل التي تنجح في توسيع قاعدة الإنتاج، وتحويل الشباب من طالبي وظائف إلى صانعي اقتصاد. السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى أموال جديدة، بل إلى عقل اقتصادي جديد يفهم أن ورشة صغيرة قد تكون أهم من خطاب اقتصادي كبير، وأن مشروعًا صغيرًا قد يصنع استقرارًا اجتماعيًا أوسع من آلاف الإجراءات الورقية.

وفي النهاية يبقى السؤال الجوهري:

هل تريد الدولة اقتصادًا يعيش على الجباية، أم اقتصادًا يعيش على العمل والإنتاج؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.