عباس شريف مدثر
تمهيد:
لم يكن السمسم في السودان مجرد حبوب تُزرع وتُحصد، بل كان لعقود طويلة رمزًا للقوة الاقتصادية، وبطاقة دخول إلى الأسواق العالمية، ومصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة التي تسد فجوة الاستيراد وتمنح البلاد حضورًا في اقتصاد عالمي لا يرحم.
قبل سنوات قليلة فقط، كان السودان أحد أعمدة تجارة السمسم العالمية. مزارعو القضارف والنيل الأبيض وسنار كانوا ينتجون آلاف الأطنان من أجود أنواع السمسم، بينما كان التجار يبرمون صفقات مع كبرى شركات التداول في الصين والهند وتركيا.
اليوم، المشهد مختلف تمامًا. الأرقام لا تكذب، والبيانات لا ترحم. السودان الذي كان يوفر ما يقارب ثلث احتياجات الصين من السمسم، أصبح اليوم لا يتجاوز 1.8% فقط. هذا ليس تراجعًا عاديًا، بل انهيار.
في هذا االمقال نحاول فهم: كيف حدث هذا؟ من المسؤول؟ وهل يمكن العودة إلى الريادة، أم أن القطار قد فات؟
أولًا: الأرقام التي تصرخ – كيف تبددت الريادة العالمية
لنبدأ بالأرقام، لأنها حين تُقرأ بعناية تحكي قصة مكتملة لا تحتاج إلى كثير من الشرح.
في عام 2018 كانت واردات الصين من السمسم نحو 827,878 طنًا، منها 254,935 طنًا من السودان، أي ما يعادل 30.8%.
أما في عام 2025 فقد ارتفعت واردات الصين إلى نحو 1,460,169 طنًا، بينما تراجعت صادرات السودان إلى 26,618 طنًا فقط، أي 1.8% تقريبًا.
ما يعنيه هذا ببساطة أن السودان خسر ما يقارب 94% من حصته في أكبر سوق عالمي خلال سنوات قليلة.
هذا التراجع لا يمكن تفسيره بجائحة أو ظرف طارئ، بل هو انهيار هيكلي كامل. السودان الذي كان المورد الأول للصين، أصبح اليوم موردًا هامشيًا.
ثانيًا: ترتيب الموردين إلى الصين – انقلاب كامل في السوق
في الوقت الذي تراجع فيه السودان، تقدمت دول أخرى بسرعة لافتة:
النيجر أصبحت المورد الأول بحجم يتجاوز 450 ألف طن سنويًا.
البرازيل قفزت من نحو 50 ألف طن إلى أكثر من 450 ألف طن خلال أقل من أربع سنوات.
تنزانيا وصلت إلى نحو 250 ألف طن.
موزمبيق استقرت بين 100 و120 ألف طن رغم التذبذب.
في المقابل، تراجع السودان من موقع الصدارة إلى موقع هامشي.
ثالثًا: فارق السعر القاتل
السوق لا يتحرك بالعواطف بل بالتكلفة.
السمسم البرازيلي يبلغ سعره نحو 950 دولارًا للطن، بينما يصل السمسم السوداني (تسليم بورتسودان) إلى نحو 1450 دولارًا للطن.
الفارق: نحو 500 دولار للطن.
هذا الفارق هو الفاصل بين البقاء والخروج من السوق. فالمشتري في الصين لا يشتري التاريخ، بل يشتري السعر والاستقرار وسهولة الإجراءات.
وبذلك أصبح السمسم السوداني الأعلى تكلفة في السوق العالمية، وهي الكارثة الحقيقية.
ثانيًا (فعليًا): ليست التربة هي المشكلة – الأزمة داخل النظام
قد يظن البعض أن المشكلة في الإنتاج أو جودة التربة، لكن هذا غير صحيح. السمسم السوداني ما يزال من أجود الأنواع عالميًا.
المشكلة ليست في الحقل، بل في الطريق من الحقل إلى الميناء، ومن الميناء إلى العميل.
1/ الرسوم والجبايات: طبقات من الاستنزاف
في ولاية القضارف، رُفع رسم “دعم حرب الكرامة” من 2500 إلى 5000 جنيه للشوال في يوم واحد، دون دراسة أثر اقتصادي أو تنسيق مع القطاع التصديري.
لا خلاف على أولوية دعم الحرب، لكن تمويلها لا يتم عبر خنق القطاع الذي يجلب العملة الصعبة.
كان يمكن مثلًا تعديل رسوم الجودة أو إعادة هيكلة الرسوم بدلًا من الزيادة المباشرة التي رفعت التكلفة النهائية بشكل غير محسوب.
2/ تعطيل التمويل المصرفي (الكارثة الصامتة)
قرار البنك المركزي بمنع تمويل المحاصيل الزراعية، بما فيها السمسم، استمر لنحو عامين.
هذا القرار حرم الشركات من السيولة اللازمة للشراء في موسم الحصاد، وأضعف قدراتها على التخزين والتجميع والتصدير.
كيف لدولة أن تطلب زيادة الصادرات، ثم تمنع تمويل المنتج الذي يُفترض تصديره؟
3/ تعطيل سجلات الأراضي
بعد احتراق المكتب الرئيسي لسجلات الأراضي، تعطلت شهادات البحث التي تُستخدم كضمان رئيسي للتمويل.
ومع غياب بدائل تشغيلية خلال أكثر من ستة أشهر، فقدت الشركات القدرة على الحصول على تمويل أو إعادة تمويل، ليس بسبب ضعفها، بل بسبب غياب المستندات.
4/ كارثة السياسات النقدية
عند اندلاع الحرب، كانت هناك شركات لديها حصائل صادرات في الخارج. لكن تم إلزامها بتوريدها بسعر صرف قديم (480–500 جنيه للدولار)، بينما تجاوز السعر لاحقًا 4000 جنيه.
الفارق كان كارثيًا، وأدى إلى:
خروج شركات من السوق،
توقف شركات أخرى عن التصدير،
ولجوء بعض الفاعلين إلى قنوات غير رسمية، ما أفقد الدولة جزءًا كبيرًا من مواردها.
ثالثًا: إفلاس التنسيق – كل جهة تعمل وحدها
– المشكلة الأعمق ليست في قرار واحد، بل في غياب الرؤية الموحدة:
– وزارة المالية تفرض رسومًا دون تنسيق مع التجارة.
– البنك المركزي يغير قواعد النقد فجأة.
– الولايات تفرض رسومًا محلية إضافية.
– سجلات الأراضي معطلة.
القطاع المصرفي مشلول بسبب غياب الضمانات.
في هذا المناخ، تصبح الدولة بلا استراتيجية، والقطاع كله يدفع الثمن.
رابعًا: هل يمكن العودة؟ السوق لا يكافئ التاريخ
السوق العالمية لا ترحم. المشترون الذين وجدوا بدائل أرخص وأكثر استقرارًا (البرازيل، النيجر، تنزانيا، باكستان، الهند) لن يعودوا بسهولة.
لأن السوق لا يكافئ:
لا يكافئ الماضي.
لا يكافئ جودة الأرض إذا كانت التكلفة مرتفعة.
لا يكافئ الذكريات إذا كان السعر أعلى بـ500 دولار للطن.
المطلوب من أي منتج هو:
– سعر تنافسي،
– إمداد منتظم،
– إجراءات سلسة،
– سمعة موثوقة.
والسودان اليوم ضعيف في هذه العناصر مجتمعة.
خامسًا: ماذا يجب أن يحدث؟
إنقاذ القطاع يتطلب إجراءات عاجلة، أهمها:
– تجميد الرسوم التي رفعت التكلفة، وإعادة هيكلة النظام الضريبي.
– تنسيق موحد بين البنك المركزي والولايات والجمارك لضبط التكلفة النهائية.
– حل عاجل لأزمة سجلات الأراضي ولو بآلية مؤقتة.
– مراجعة سياسات توريد النقد الأجنبي لحماية المصدرين من الخسائر.
– توفير تمويل مباشر خلال مواسم الحصاد.
– اعتماد الأصول كضمانات بديلة للرهن والتمويل.
خاتمة: الأسطورة تتهاوى
أسطورة السمسم السوداني لا تتلاشى بسبب ضعف الأرض أو الجودة، بل بسبب تراكم قرارات اقتصادية وإدارية خاطئة:
رسوم متزايدة،
سياسات نقدية متناقضة،
تعطيل التمويل،
غياب التنسيق،
وإجراءات تعاقب المنتج بدل دعمه.
النتيجة: منتج عالي الجودة خارج السوق بسبب التكلفة.
إذا استمر هذا المسار، فإن ما يحدث اليوم لن يكون مجرد تراجع، بل خروجًا تدريجيًا من سوق عالمي لا ينتظر أحدًا.
العودة ممكنة، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، وتنسيق مؤسسي، وإدراك أن الاقتصاد لا يُدار بالأجندات المتفرقة، بل برؤية واحدة متماسكة.
السؤال الآن: هل هناك من يستمع؟ أم أن الأسطورة ستسقط بالكامل؟

Leave a Reply