محمد الحاج
ليس التعليم مجرد وسيلةٍ لنقل المعرفة، بل هو الركيزة التي تقوم عليها الدول، والمحرك لعجلة نهضة الأمم. به تُبنى العقول، وتُصاغ الابتكارات، وتُصان الهوية من التآكل. فالأمم التي تراهن على التعليم لا تؤسس لمستقبلٍ مزدهر فحسب، بل تبني حضارةً قادرة على الصمود في وجه العواصف. وعلى النقيض، فإن تقويض التعليم هو الطريق الأقصر لانهيار الدول فمن يفقد التعليم يفقد بوصلته نحو المستقبل.
لم يكن تدهور التعليم في السودان حادثةً طارئة أو كبوةً عابرة، بل هو حصيلة عقودٍ من التخبط السياسي، وسوء الإدارة، والقرارات المرتجلة. ثم جاءت الـ ح.رب الأخيرة لتكشف المستور وتعرّي هشاشة البنية التعليمية، مؤكدة أن ما كان قائماً لم يكن نظاماً راسخاً، بل هيكلاً واهناً ينتظر لحظة السقوط.
وفي هذه العجالة نحاول أن نلمس لمساً خفيفاً الأسباب: كيف بدأ هذا التردي؟ وما هي المعاول التي هدمت حصون التعليم؟
بدأ الانهيار بشكلٍ حاد ومتسارع خلال سنوات حكم الإنقاذ، حيث جرت عملية تجريفٍ ممنهجة طالت جوهر العملية التعليمية. فقد أُعيد تشكيل المناهج لتخدم رؤى ضيقة، على حساب الأهداف الوطنية الجامعة، وتحولت المؤسسات التعليمية إلى ساحاتٍ للاستقطاب السياسي بدل أن تكون مناراتٍ للمعرفة. كما أُقصيت العقول والكفاءات التربوية التي لم تنسجم مع توجهات السلطة، ففقد التعليم بوصلته المهنية والوطنية.
وامتد العبث إلى طرائق التدريس نفسها إذ تم الانتقال من منهجٍ تراكمي يقوم على الفهم المتدرج إلى أساليب أقرب إلى الحشو والتلقين. وتراجع التعليم التفاعلي، وحلّ محله تمجيد الحفظ الآلي، فغاب التفكير النقدي، وانحسر الإبداع. ولم يعد الطالب يتعلم كيف يفهم، بل كيف يحفظ. والنتيجة جيلٌ يحمل شهاداتٍ على الورق، لكنه يفتقر إلى المهارات الحقيقية.
وتحت شعارٍ براق مثل (التعليم للجميع)، شهد السودان تضخماً في عدد الجامعات والمؤسسات التعليمية، لكن دون بنيةٍ حقيقية تدعم هذا التوسع، من بيئة متدنية ومبانٍ بلا معامل، قاعات بلا مراجع، وشهادات بلا قيمة تنافسية. وفي المدارس الحكومية، تكدس خانق، ومعلمٌ منهك، ومنظومة عاجزة فقدت روحها ورسالتها.
وزاد الطين بلة إلغاء مجانية التعليم وتراجع الإنفاق الحكومي بصورة مقلقة، مما أدى إلى تفكيك تدريجي للمنظومة التعليمية. مع تراجع مكانة المعلم اجتماعياً واقتصادياً، فأصبحت المهنة طاردةً للكفاءات، واستحقت اسم مهنة من لا مهنة له، بعد أن كانت إحدى ركائز المجتمع. ومع تطبيق سياسات الخصخصة، تحول التعليم من حق أساسي إلى سلعة، وامتياز لمن يملك. فازدهر التعليم الخاص على حساب الحكومي، وترسخت الفوارق الطبقية، وحرمان الفقراء من حق التعليم وتآكل مبدأ تكافؤ الفرص.
ولم يسلم ما تبقى من هذا التدهور من آفة الفساد، إذ طالت التجاوزات مصداقية الشهادات والامتحانات، عبر المحسوبية وتسريب الامتحانات، مما أضعف الثقة في مخرجات التعليم، والسخرية من الدرجات العلمية وأفقد الشهادة السودانية مكانتها التاريخية.
إن ما يعيشه التعليم في السودان اليوم ليس أزمةً عابرة، بل انهيار هيكلي متعدد الأبعاد، تشابكت فيه السياسات الخاطئة مع الفساد، وسوء الإدارة، وضعف التمويل، وتهميش المعلم، وتسييس المناهج. لقد تحول التعليم من رافعةٍ للتنمية إلى عبءٍ يعوقها.
إن إنقاذ التعليم في السودان ضرورة وجودية. وهو يتطلب إرادة سياسية صادقة، واستراتيجية وطنية طويلة المدى، ومواجهة حاسمة للفساد، وإعادة الاعتبار للمعلم، واستعادة جوهر التعليم بوصفه رسالة حضارية، لا سلعة استهلاكية. فبدون تعليمٍ قوي، لا يمكن الحديث عن مستقبلٍ مستقر، وسيظل الوطن عالقاً في دوامة الجهل والتفكك والاحتراب.
فالتاريخ يعلمنا أن الأمم لا تنهض من تحت الرماد إلا بقوة العلم وسلطان المعرفة.
#السودان #التعليم_في_السودان #محمد_الحاج #انهيار_التعليم #لا_للـحـ.رب #السيادة_الوطنية #الوعي_الوطني #مستقبل_السودان #المعلم_السوداني #قضايا_التعليم #ملف_الهدف_الطلابي #النهضة_بالعلم

Leave a Reply