لقاي الزير

صحيفة الهدف

د. منال مختار.

جدلية المسار والاتجاه السياسي .

( قحت ) هو اختصار لتحالف قوى الحرية والتغيير، ولهذا الاختصار تأثير سحري مدهش بسبب ازدواجيته فهو من جانب يثير حفيظة جماعة ( الغربان) ويزرع فيهم الخوف والتوتر ويجعلهم في حالة من الفزع والغليان والفوران، ومن جانب آخر هو الذي يحقق الحرية والتغيير والمجد للشعب السوداني، لذلك عمدت جماعة “الغربان” إلى شيطنة القوى السياسية السودانية ومحاربتها متخذة من اختصار ( قحت) أداة لها بعد تحريفه ب (قحط) . والسؤال لماذا تشيطن جماعة “الغربان” القوى السياسية المدنية في السودان؟

القوى السياسية المدنية هي التي يقع على عاتقها تنظيم شؤون الدولة مثل توزيع السلطة والموارد والتغيير في الحياة العامة واتخاذ القرارات التنظيمية التي تنظم المجتمع، وهي التي تتولى حل النزاعات والإشكالات وإدارة النشاط الفردي والجماعي، وهي التي تحقق العدالة الإجرائية والتوزيعية وإدارة العملية التشاركية، وغيرها من السياقات التي تبدأ بالتصور وتنتهي بالتشكيل والتنفيذ، وهذه السياقات في مجملها تعرف بالمسار السياسي الذي هو أساس العملية السياسية، لأجل ذلك تخشى جماعة “الغربان” من القوى السياسية المدنية وإذا عرف السبب بطل العجب.

ومما سبق فإن المسار السياسي يكون مجموعة القرارات والأفعال والتحالفات التي تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم شؤون الدولة والمجتمع وتتضمن العديد من الآليات المتنوعة عبر الأطر المؤسسية مثل المشاركة السياسية بمحاورها ونقاط ارتكازاتها…. والمشاركة السياسية داخل إطار المسار السياسي هي النشاط الطوعي الذي يقوم به الأفراد لصنع السياسات وفقًا للنظام السياسي الذي يهدف لتسيير الشأن العام، الذي يعتمد بدوره على سلسلة من الإجراءات المتصلة بالشأن التنفيذي. ووفقاً لما سبق يمكن وصف المسار السياسي بأنه توجه سياسي يسعى لتطبيق فكرة محددة ومعينة بواسطة آلية الالتزام السياسي الذي يهدف للتغيير وتعزيز مبادئ المساواة والعدالة.

الملاحظ أن هنالك خلط في التفريق بين المسار السياسي والاتجاه السياسي الأمر الذي يتسبب في إشكالية الفهم لدى العامة. حيث يفترض البعض أنه إذا ساد اتجاه سياسي معين يجب أن تسير جميع المسارات الأخرى في نفس الاتجاه ، مثلاً عندما نفذت الجبهة القومية الإسلامية انقلابها عام 1989 وكونت نظام حكمها واتخذت من الأيديولوجية الإسلامية مرجعية واتجاه لها جعلت جميع المسارات الأخرى في الدولة تسير في نفس الاتجاه، وهذا هو الخطأ الذي وقعت فيه، لأنها لم تستطع التفريق بين الاتجاه السياسي والمسار السياسي وافترضت فرضية أن ينطلق المسار السياسي والاقتصادي والقانوني والمجتمعي والفكري والإعلامي من منطلق الأيديولوجية الإسلامية حتى أنها أطلقت شعار إعادة صياغة المجتمع السوداني، واتخذت من بعض رجال الدين مرجعية لمسارها السياسي، وما الفتوى الدينية بق.تل ثلثي الشعب السوداني إلا تأكيدًا لهذا المسعى.

المسار السياسي الصحيح هو ذلك المسار الذي يتخذ من تعدد الاتجاهات السياسية مرتكز له لتحصيل الأهداف الاستراتيجية وخلق مسار يكون محور للعملية السياسية الإيجابية ويجعل من المسارات الأخرى مرجعية له في تحقيق مبادئ المساواة والعدالة مثل المسار القانوني والإعلامي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري والفكري…. والملاحظ من تتبع المسار السياسي، السودان منذ الاستقلال يجده قد خضع لعملية التصنيف الأيديولوجي وخضع لإرادة الاتجاه السياسي ونتج عن ذلك ما يعرف بالمسار اليميني والمسار اليساري وهو تصنيف تم به ضياع أهمية المسار السياسي ودوره في إدارة شؤون الدولة.

فالمسار السياسي هو تلك الآلية السياسية التي تقوم على مجموع المبادئ الفكرية التي تتبناها القوى السياسية وتسعى لتنفيذها، وهذه الأفكار هي التي نتج عنها ما يعرف بالاتجاه السياسي أو ما يطلق عليه مجازًا الجناح اليميني والجناح اليساري… والسؤال من أين جاءت هذه التسمية؟؟

ولتوضيح الأمر سنتخذ من الاتجاه اليساري مثال للتوضيح. ونبدأ بتعريف (اليسارية) فاليسارية هي تيار فكري سياسي يسعى لتغيير المجتمع وخلق مناخ وبيئة أكثر عدالة ومساواة، وأصل مصطلح اليسار يعود إلى الثورة الفرنسية حيث أيد النواب الذين كانوا يجلسون إلى اليسار في مجلس البرلمان الفرنسي التغيير الذي تحقق عن طريق الثورة الفرنسية والمتمثل في التحول إلى النظام الجمهوري، ولايزال ترتيب الجلوس هذا متبعًا حتى الآن في البرلمان الفرنسي.

وبمرور الوقت تشعب مصطلح اليسارية وأصبح يشير إلى الديمقراطية والاشتراكية والليبرالية الاجتماعية، كذلك استخدم بمفهوم اللاسلطوية، ووفقًا لهذا التشعب اختلف مفهوم استخدام مصطلح اليسارية كاتجاه سياسي. ولكن رغم الاختلاف تبنى جميعهم مبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة واتخذوا من الوسائل العادلة أدوات لتنفيذ وترسيخ مبادئ العدالة والمساواة مثل رفضهم لتمركز القوة والثروة في يد طبقة معينة من طبقات المجتمع أو فئة محددة، لذلك اتخذت اليسارية من الإصلاح في مجال الملكية وسيلة لتحقيق مبدأ المساواة، كما عمدت إلى تطوير هذا النهج الذي نتج عنه إنشاء النقابات وظهور الحركات المناهضة والجمعيات المهتمة بالحقوق.

ومهما تعدد الحديث عن المسار السياسي واتجاهه فإن أهميته تكمن في أنه يمثل الحالة المزاجية العامة والسائدة في المجتمع، التي تؤثر بدورها على صنع القرار ووضع القوانين وهو ما يعرف بالمناخ السياسي.

# حرية سلام وعدالة.

# لا للح.رب.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.