بقلم: ماجد الغوث
لم تكن ح.رب الخامس عشر من أبريل مجرد حادثة تصادم بين بندقيتين، بل كانت الطلقة الأخيرة في رصاصات الإعدام التي وُجهت لصدر الديمقراطية السودانية منذ لحظة انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر. ذلك الانقلاب الذي دُبر بليل لقطع الطريق أمام حلم الدولة المدنية، لم يكن سوى التمهيد الضروري لإشعال نيران هذه الح.رب العبثية، فالعجز عن حكم الشعب بالسياسة قاد بالضرورة إلى محاولة حكمه بالرصاص، وعندما تضاربت أطماع الانقلابيين، احترق الوطن ليبقى الكرسي.
واليوم، بينما يكتوي المواطن السوداني بنيران هذا الجنون، تنشط مطابخ السياسة الإقليمية والدولية في تقديم وجبات من الإعلانات والمبادرات. من حرارة سواحل جدة، إلى سراديب المنامة، وصولاً إلى برود قاعات برلين؛ يبدو السودان كأنه قضية معروضة في مزاد علني للمبادرات، حيث لكل عاصمة نفس تشتهيه، ولكل إعلان أجندة يدثرها بشعارات منمقة.
جدة: استراحة المح.ارب أم تخدير الضحية؟
انطلق إعلان جدة كسيارة إسعاف تحاول وقف النزيف، مرتكزًا على الهدنة الإنسانية وفتح الممرات. كان الخطاب جميلاً في ظاهره: حماية المدنيين وتسهيل المساعدات. لكن في واقع الأمر، تحولت جدة إلى محطة لشراء الوقت؛ هدنة تُخرق قبل أن يجف حبرها، وممرات لا تفتح إلا لمرور الموت. لقد قامت جدة على منطق احتواء الحريق لا إطفائه، ليبقى السودان في حالة موت سريري تضمن بقاء الفاعلين الإقليميين في مقاعد المتفرجين المتحكمين.
المنامة: المطبخ الأمني والصفقات المكتومة
ثم جاء إعلان المنامة ليقفز فوق إنسانية جدة إلى سيادة المصالح. هنا لم يعد الحديث عن ممر لغذاء أو دواء، بل عن مبادئ سياسية وأمنية تفوح منها رائحة الترتيبات العابرة للحدود. المنامة كانت محاولة لترميم البيت العسكري وصياغة تفاهمات تحت الطاولة، تضمن بقاء السودان ضمن محاور إقليمية معينة، بعيداً عن أي طموح شعبي حقيقي في حكم مدني خالص. هي هندسة أمنية بامتياز، تهدف للحفاظ على الهياكل التي تخدم الجوار، لا التي تحمي الدستور.
برلين: حلم السيادة في غياب السيادة
أما برلين، فقد لبست ثوب الحكيم الأوربي، متحدثة عن سيادة ووحدة السودان، والحفاظ على مؤسسات الدولة، والانتقال بقيادة مدنية. شعارات برلين تبدو كأنها الروشتة المثالية، لكنها تفتقر إلى اليد التي تنفذ. برلين تتحدث عن سيادة في بلد تمزقت أحشاؤه بفعل التدخل الإقليمي والدولي، وعن انتقال مدني في ظل بنادق لا تؤمن إلا بلغة الرصاص. إنه إعلان أخلاقي في عالم لا يعترف إلا بالقوة، ومحاولة غربية لحجز مقعد في مستقبل السودان قبل أن يسبقهم إليه الشرق.
الرؤية الوطنية: هندسة العودة لقرار السيادة
فنياً وسياسياً، إن هذه المحطات تعاني من عوار بنيوي؛ فهي تحاول معالجة الأعراض وتتجاهل المرض. الرؤية الوطنية الصارمة تقتضي أن ندرك أن استعادة السودان لا تمر عبر استجداء العواصم، بل عبر هندسة وطنية جديدة تقوم على:
أولاً: وحدة جبهة مدنية عريضة ترفض منطق الانقلاب والح.رب معاً، وتنتزع شرعيتها من الشارع لا من غرف الفنادق.
ثانياً: اعتبار المؤسسة العسكرية ملكاً للشعب، ومهمتها حماية الحدود لا إدارة الاستثمارات أو قمع الطموح الديمقراطي.
ثالثاً: تجميد كافة الاتفاقيات والمقايضات التي تمت تحت ضغط السلاح أو الارتهان للخارج، فما لا يملكه الانقلاب لا يحق له التصرف فيه.
إن الحقيقة المرة هي أن كل هذه الإعلانات تُعجن في مطابخ الخارج بماء المصالح الخارجية، بينما الدقيق هو دمنا والحطب هو وطننا. إن البصيرة الوطنية تفرض علينا أن ندرك أن أي إعلان لا ينبع من إرادة سودانية خالصة، هو مجرد تذكرة سفر في قطار التيه الذي يريدون لنا أن نظل عالقين فيه.
آن الأوان لنسأل: متى يكون هناك إعلان السودان الذي يكتبه السودانيون بمداد كرامتهم، بعيداً عن إملاءات المحاور وغرف العمليات الأجنبية؟ اليد قد تكون اليوم قصيرة، لكن البصيرة الوطنية هي التي ستطيل تلك اليد غداً لتمسك بمقاليد السيادة والحرية، وتصيغ مبادرة سودانية المنشأ والقرار، أياً كان مكان إعلانها.

Leave a Reply