الرشيد حسب الرسول
اتفقت جميع كتابات قيادات جماعة الإخوان المسلمين في السودان، التي وثّقت لتجربتهم، على أن الفترة التي أعقبت المصالحة الوطنية عام 1977م — والتي شبّهها بعض مفكريهم بصلح الحديبية، الذي مثّل نصراً للمسلمين وفتحاً لاحقاً لمكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً — قد مكّنت جماعة الإخوان المسلمين من السيطرة سياسياً عبر فرض قوانين الشريعة الإسلامية، واقتصادياً من خلال إنشاء الشركات والبنوك والمنظمات والواجهات، كما سيطرت عسكرياً عبر الاستقطاب داخل القوات المسلحة بواسطة واجهاتها: جمعية القرآن الكريم، وجمعية الرعاية والإصلاح، ومنظمة الدعوة الإسلامية وغيرها.
ومع أن تواجدهم داخل القوات المسلحة، كغيرها من القوى السياسية الأخرى، كان سابقاً لذلك بسنوات، إذ شاركت جماعة الإخوان المسلمين في انقلاب العقيد علي حامد عام 1959م، وسُجن على أثر تلك المحاولة مرشدهم العام حينها الرشيد الطاهر بكر.
كما تحدثت أيضاً معظم كتابات قيادة جماعة الإخوان المسلمين أنهم، ومنذ وقت مبكر، وصلوا إلى قناعة بأنهم لن يتمكنوا من الوصول إلى السلطة في السودان عبر صناديق الاقتراع. حيث يذكر الدكتور عبد الرحيم عمر محيي الدين في كتابه أسباب سقوط حكم الإسلاميين في السودان، صفحة 65:
“كان هدف الشيخ الترابي الأول من الانقلاب هو تأكيد ولاء الجيش للمشروع الإسلامي، وأن يكون قسم الجيش المعهود “الله” هو حاكمية الله في “الوطن” السودان، وهذا لا يتحقق إلا عبر جيل رسالي يؤمن بحاكمية القرآن وتوحيد الحياة كلها لله سياسةً واقتصاداً واجتماعاً، فكانت الكورسات التأهيلية للضباط في مراكز التنوير المعرفي والمراكز الإسلامية، وتشجيع الشباب الملتزم إسلامياً للانخراط في سلك القوات المسلحة جنوداً وضباطاً. وقد كان الشيخ الترابي يدرك أن الثغرة التي يُؤتى منها المشروع الإسلامي دائماً هي الجيش والقوات النظامية، فلا بد إذاً من سد هذه الثغرة بأناس يؤمنون بحاكمية المشروع الإسلامي”.
بدأت جماعة الإخوان المسلمين، في الفترة التي أعقبت المصالحة الوطنية، العمل داخل القوات المسلحة والأجهزة النظامية بصورة لم تكن سرية حتى للآخرين، وكانت قياداتهم مكشوفة، أمثال المرحوم اللواء الهادي مأمون المرضي، والعميد طيار مختار محمدين، والمرحوم المشير عبد الرحمن سوار الذهب وغيرهم، وصولاً إلى انقلاب 30 يونيو 1989م وبداية مرحلة جديدة من سياسة التمكين داخل جميع مؤسسات الدولة، وعلى رأسها — كما سموها — “الثغرة التي يُؤتى منها المشروع الإسلامي”، وهي القوات المسلحة والقوات النظامية.
حيث طالت كشوفات الصالح العام آلاف الضباط وضباط الصف من غير الموالين للمشروع الإسلامي، مع تصفية المعارضين وتمكين عضوية جماعة الإخوان المسلمين. وقد اعترف الترابي، في حلقات البرنامج الشهير شاهد على العصر الذي بثته قناة الجزيرة، “بأن 90% ممن دخلوا الكلية الحربية بعد الانقلاب كانوا من الاتجاه الإسلامي”.
وحسب الإحصاءات التي نشرها الصحفي خالد العبيد عام 2006م، فإن الجبهة الإسلامية، ومنذ انقلابها في 30 يونيو 1989م وحتى عام 2000م، قد سرّحت للصالح العام من الضباط وضباط الصف غير الموالين لها داخل القوات المسلحة:
(1 فريق أول، 44 فريقاً، 300 لواء، 602 عميد، 696 عقيداً، 762 مقدماً، 742 رائداً، 674 نقيباً، 296 ملازماً أول، 251 ملازماً)، ليصبح المجموع 4369 ضابطاً.
ومن ضباط الصف سرّحت الجبهة الإسلامية عدد 14271، لتكون مؤسسة القوات المسلحة السودانية في مقدمة مؤسسات الدولة التي استهدفتها جماعة الإخوان المسلمين بالتصفية، وضرب قوميتها، وتفكيكها.
وبالتالي، فإن أي حديث عن عدم سيطرة جماعة الإخوان المسلمين وتغلغلها داخل القوات النظامية هو بمثابة حجب ضوء الشمس بغربال. بل الأدهى والأمر أن جماعة الإخوان المسلمين، وفي آخر سنوات حكمهم، بلغت بهم العزة بالإثم أن يتعاملوا مع القوات المسلحة السودانية كإحدى الواجهات التنظيمية التي يديرون من خلالها أموالهم المنهوبة من خزائن الدولة، تحت مسمى الهيئة الخيرية لدعم القوات المسلحة، ومنظمة الشهيد، ومنظمة الإيثار وغيرها من الواجهات.
كما تعمدوا، منذ بواكير انقلابهم، إنشاء أجسام موازية للأجهزة النظامية مثل قوات الدفاع الشعبي، والشرطة الشعبية، وأكثرها حقداً ودموية ما عُرف بالأمن الشعبي، وليس آخرها قوات الدعم السريع، “والساقية لسه مدوّرة”.
كذلك ظلت الحركة الإسلامية، على الدوام، لا تُخفي وجودها وسيطرتها وسطوتها داخل الأجهزة النظامية، ودائماً ما تتسبب أفعالها وتصريحاتها في إحراج حالة الإنكار لدى قادة القوات المسلحة، وعلى رأسهم قائدها العام.
حيث اعترفت سناء حمد بأنها، وبتكليف من الأمين العام السابق للحركة الإسلامية الزبير أحمد الحسن، قد حققت مع وزير الدفاع السابق، ورئيس هيئة الأركان السابق، ومدير جهاز الأمن الوطني السابق، وعدد من أعضاء اللجنة الأمنية للنظام البائد، حول الملابسات التي أدت إلى قرارات 11 أبريل 2019م، وأنها سلّمت بتاريخ 1 يناير 2020م الأمين العام للحركة الإسلامية اعترافاتهم مكتوبة وموقعة من قبلهم.
ومثلما قالها عرّاب الحركة الإسلامية بأن الثغرة التي يُؤتى منها المشروع الإسلامي دائماً هي الجيش والقوات النظامية، كذلك خلال مسيرة التطور الوطني في بلادنا ظلت الثغرة التي يُؤتى منها مشروع التحول المدني الديمقراطي هي الجيش والقوات النظامية.
فقد قطعت بالانقلاب مسار حكومة ما بعد الاستقلال عام 1958م، وقطعت مسار ثورة أكتوبر بانقلاب مايو 1969م، وقطعت مسار ثورة مارس–أبريل بانقلاب 1989م، وقطعت مسار عروس الثورات ديسمبر بانقلاب 2021م، ليستحوذ الجيش على 80% من سنوات حكم البلاد، مورداً السودان موارد الهلاك.
وما يُعاب على القوى التي فاوضت باسم ثورة ديسمبر أنها تركت — بحسب الوثيقة الدستورية — أمر إصلاح الأجهزة النظامية بيدها، وهو خطأ، مع الإقرار به، يجب ألّا تقود الحرب الحالية إلى تكراره مستقبلاً.
ورغم علو أصوات التخوين، يظل لا مناص لبلادنا إلا بإصلاح ما أفسده دهر العطار، وبناء قوات نظامية قومية قادرة على احترام خيارات جماهير شعب السودان، بل وما أضحى سُنّة كونية في خضوعها لسلطة الحكومة المدنية الديمقراطية بوصفها واحدة من مؤسسات الدولة.

Leave a Reply