أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
لم تعد الح.رب في السودان مجرد مواجهة بين الجيش والدع.م السريع، ولا مجرد خلاف على السلطة داخل الدولة. ما يحدث اليوم أكبر من ذلك بكثير. السودان أصبح ساحة تتداخل فيها مصالح دول كثيرة، وكل طرف خارجي يحاولأن يحافظ على نفوذه أو يوسع مصالحه، بينما يدفع الشعب السوداني الثمن الأكبر.
في البداية، كان كثير من الناس يظنون أن الأزمة داخلية فقط، لكن مع مرور الوقت أصبح واضحاً أن الح.رب مرتبطةأيضاً بصراعات إقليمية ودولية. فكل تصريح سياسي، وكل تحرك عسكري، لم يعد مرتبطاً بالسودان وحده، بلبحسابات دول أخرى ترى السودان موقعاً مهماً في المنطقة.
ولم يعد التدخل الخارجي يقتصر على المواقف السياسية فقط، بل أصبح يمتد إلى الاقتصاد والإعلام والسلاحوالتحالفات الإقليمية. فالسودان يمتلك موقعاً استراتيجياً مهماً على البحر الأحمر، إضافة إلى موارده الطبيعيةالكبيرة مثل الذهب والزراعة، وهو ما جعله محل تنافس دائم بين قوى إقليمية ودولية تسعى لحماية مصالحها أوتوسيع نفوذها.
الصراع حول مياه النيل وسد النهضة بين مصر وإثيوبيا، مثلاً، لم يعد بعيداً عن السودان. كذلك التنافس بين بعضالقوى الإقليمية على النفوذ الاقتصادي والموانئ والمواقع الاستراتيجية جعل السودان جزءاً من هذا الصراع. أماالدول الكبرى، فهي لا تبدو مهتمة بحل الأزمة بشكل كامل بقدر اهتمامها بمنع انهيار الوضع بطريقة تهدد مصالحها.
ولهذا تبدو الح.رب وكأنها مستمرة داخل دائرة معينة، لا يوجد حسم كامل، ولا يوجد سلام حقيقي. حالة من الفوضىالمستمرة التي تجعل كل الأطراف تحتفظ بأوراق القوة، وتنتظر تغير الظروف لصالحها.
كما أصبحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل جزءاً من الصراع نفسه، حيث تستخدم الأطراف المختلفة الخطابالإعلامي لبناء روايات سياسية وتوجيه الرأي العام، في معركة لا تقل خطورة عن المعركة العسكرية. وبين كل هذهالحسابات السياسية، يبقى المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر، أسرة فقدت منزلها، وطفل انقطع عن التعليم،ومريض لا يجد العلاج، وشباب فقدوا الأمل في المستقبل.
والخطر الأكبر في الح.روب الطويلة ليس فقط حجم الدمار، بل تحوّل الح.رب نفسها إلى واقع معتاد، حيث يبدأالمجتمع تدريجياً في التكيّف مع الانقسام والعنف والفوضى بوصفها أموراً طبيعية.
المشكلة في أن بعض القوى المتصارعة داخل السودان أصبحت تستفيد من استمرار الح.رب نفسها. فكلما استمرتالأزمة، بقيت هذه القوى داخل المشهد السياسي والعسكري، واستمرت شبكات النفوذ والاقتصاد المرتبط بالح.ربوالسلاح والتهريب. ومع طول أمد الح.رب، بدأت تتشكل ما يمكن تسميته بـ(اقتصادات الحرب)، حيث تستفيد بعضالشبكات من استمرار الفوضى، سواء عبر تجارة السلاح، أو التهريب، أو السيطرة على الموارد والمناطق الحيوية. وهناتصبح الح.رب بالنسبة لبعض القوى مصدر نفوذ وثروة، لا مجرد صراع سياسي عابر. وفي المقابل، تتراجع الدولة يوماًبعد يوم. المؤسسات تضعف، الاقتصاد ينهار، والخدمات الأساسية تتراجع، بينما يعيش ملايين السودانيين بينالنزوح والخوف والفقر.
لهذا، فإن انتظار الحل من الخارج وحده يبدو أمراً صعباً. فالدول تتحرك غالباً وفق مصالحها، لا وفق مصلحةالسودان. أما المواطن السوداني، فهو الطرف الذي يتحمل الخسائر كلها، فقدان الأمن، وضياع فرص الحياة، وتفككالمجتمع. فالدولة القوية لا تُقاس فقط بالسلاح، بل بقدرتها على حماية القرار الوطني، وبناء مؤسسات مستقلة، ومنعتحول الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة.
والدولة في جوهرها ليست مجرد مؤسسات أمنية أو حدود جغرافية، بل شعور جمعي بالانتماء والثقة والعدالة. وعندما يفقد المواطن ثقته في الدولة، تبدأ الجماعات والولاءات الضيقة في الحلول محل الوطن نفسه. لكن منالمهم أيضاً الاعتراف بأن التدخلات الخارجية لا تنجح عادة إلا عندما تجد بيئة داخلية منقسمة وضعيفة. فالأزمةالسودانية ليست نتيجة الخارج وحده، بل نتيجة تراكم طويل من الانقسامات السياسية، وضعف المؤسسات، وفشلالنخب في بناء مشروع وطني جامع.
الخطر الحقيقي اليوم ليس فقط استمرار الح.رب، بل أن يتحول السودان مع الوقت إلى دولة ضعيفة لا تملك قرارهابالكامل، وتصبح أرضها مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين. ومن هنا، فإن المعركة الأساسية ليست فقط بين طرفينعسكريين، بل بين فكرتين:
1. فكرة تريد السودان ساحة نفوذ وصراع دائم.
2. وفكرة تريد السودان وطناً مستقلاً يقرر مستقبله بنفسه.
ولهذا فإن أي طريق للخروج من الأزمة يحتاج إلى مشروع وطني واسع، تقوده القوى المدنية والاجتماعية والسياسية،ويضع مصلحة السودان فوق مصالح السلاح والمحاور الخارجية. البداية الحقيقية يجب أن تكون بوقف الح.رب، ثمإعادة بناء الدولة على أساس العدالة والسيادة والمؤسسات.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بكيفية إيقاف الح.رب، بل بمن يستطيع أن يبني السودان بعد الح.رب. فالتجاربأثبتت أن النخب العسكرية وحدها لا تصنع دولة، وأن التسويات التي تُبنى بين مراكز القوة تبقى هشة ما لم تستندإلى قاعدة شعبية واسعة. ولهذا فإن البديل الحقيقي لا يمكن أن يكون مجرد تحالف سياسي عابر، بل مشروعاًمجتمعياً جديداً يعيد الاعتبار للإنسان السوداني البسيط بوصفه أساس الدولة لا هامشها. فإن العامل، والمزارع،والمعلم، والطبيب، والطالب، والمرأة السودانية، والشباب الذين أنهكتهم الح.رب، ليسوا مجرد ضحايا للأزمة، بلهم القوة الاجتماعية القادرة على إعادة بناء الوطن إذا تحولت معاناتهم المشتركة إلى وعي وطني جامع. وهنا تبرزضرورة بناء جبهة شعبية عريضة للديمقراطية والتغيير، لا تقوم على المحاصصة أو الولاءات الضيقة، بل على فكرةالمواطنة والعدالة والسيادة الوطنية.
فالأوطان لا تُنقذ فقط عبر البنادق أو الاتفاقات السياسية، بل عبر إعادة بناء الإنسان نفسه، إنسان يؤمن بأن الدولةليست غنيمة، ولا قبيلة، ولا معسكراً، بل فضاءً مشتركاً للكرامة والحرية والعدالة. وعندما يتحول المواطن من متلقٍللخوف إلى شريك في القرار، تبدأ الدولة بالخروج من دائرة الح.رب إلى أفق الوطن.
والأوطان لا تضيع فقط عندما تُهزم عسكرياً، بل تضيع أيضاً عندما تتحول قراراتها إلى رهينة لمصالح الآخرين. والسودان اليوم يقف أمام لحظة تاريخية خطيرة، إما أن ينجح في استعادة مشروع الدولة الوطنية القائمة علىالعدالة والمؤسسات والسيادة، أو يبقى عالقاً في دائرة الح.رب والتدخلات والانقسام. وما لم تتقدم القوى الوطنيةبمشروع جامع يتجاوز السلاح والانقسامات والمحاور، فإن الخطر لن يكون فقط استمرار الح.رب، بل تحوّل الأزمةنفسها إلى واقع دائم يصعب الخروج منه.

Leave a Reply