ا أحد يربح وطنًا ميتًا…

صحيفة الهدف

حين يصبح الحوار آخر ما نكتشفه

✍️ أحمد الليثي

هل كان السودان يحتاج فعلًا إلى أكثر من ثلاث سنوات من الق.تل، والانت.هاكات، والنزوح، والانهيار، حتى يكتشفالجميع أن لا مخرج من هذه الح.رب إلا بالحوار؟

سؤالٌ يبدو بسيطًا، لكنه يحمل داخله مرارة وطنٍ كامل أُهدر عمره بين أوهام الحسم العسكري، وخطابات التعبئة،والرغبة في كسر الخصم لا فهم الأزمة.

فالح.روب الأهلية نادرًا ما تبدأ لأن الحلول السياسية مستحيلة، بل لأنها تُؤجَّل عمدًا تحت تأثير الغضب، والطموح،والخوف، وأحيانًا الغرور.

منذ الأيام الأولى، كان واضحًا أن هذه الح.رب لا تشبه المعارك التقليدية التي تنتهي برايةٍ تُرفع فوق القصر الجمهوري،أو بصورة قائدٍ يعلن النصر الكامل.

كانت ح.ربًا مفتوحة على مجتمعٍ هش، ودولةٍ منهكة أصلًا، ومدنٍ لا تحتمل هذا القدر من العنف.

ومع ذلك، تصرّف كثيرون كما لو أن السودان ساحة اختبار لإراداتٍ متصارعة، لا وطنًا يعيش فيه ملايين البشر.

في الح.روب الأهلية، لا يكون السؤال الحقيقي: من الأقوى عسكريًا؟

بل: كم تبقّى من البلاد بعد كل جولة انتصار؟

بعد أكثر من ثلاث سنوات، لم ينتصر أحد بالمعنى الحقيقي.

لكن الجميع خسر شيئًا:

الناس خسروا بيوتهم وأمانهم وأحلامهم الصغيرة،

والمدن خسرت روحها،

والسياسة خسرت ما تبقّى من صدقيتها،

وحتى اللغة نفسها أصبحت مثقلة بالكراه.ية والدم.

وحتى ذلك الحينيستمر الق.تل والخراب.

كأن الزمن في الح.روب الأهلية لا يُقاس بالأيام، بل بعدد البيوت التي تنهار، وعدد الأرواح التي تُفقد قبل أن يقتنعالمتح.اربون بما كان يمكن إدراكه دون كل هذا النزيف.

تستمر المدن في النزيف بينما يتأخر العقل السياسي عن اللحاق بالمأساة، ويظل الناس يدفعون ثمن أوهام لايملكون قرارها.

فالح.روب لا تنتظر نضج القادة، ولا رحمة البنادق؛ إنها تواصل طحن البشر بصبرٍ بارد، إلى أن يصل الجميع متأخرينإلى الحقيقة نفسها:

لا أحد يربح وطنًا ميتًا.

والمفارقة القاسية أن الحقيقة التي تُطرح اليوم باعتبارها حلًا واقعيًا لم تكن غائبة يومًا.

فالحوار لم يولد من رحم الحكمة المتأخرة، بل خرج من تحت أنقاض الفشل الطويل.

كأن الجميع احتاج أن يرى الخراب بعينيه كي يقتنع بأن البنادق لا تبني دولة، وأن الإقصاء لا يصنع استقرارًا، وأنالح.رب، مهما طالت، لا تستطيع إنتاج وطنٍ قابل للحياة.

لكن المشكلة أن كثيرين ما زالوا يتعاملون مع الحوار باعتباره هزيمة أخلاقية، لا ضرورة سياسية وإنسانية.

كأن الاعتراف باستحالة الحسم العسكري يُعدّ تنازلًا، لا إدراكًا متأخرًا لحقيقة واضحة منذ البداية.

وهذا أحد أخطر أمراض الوعي السياسي في السودان: تحويل التسويات إلى خيانة، بينما يُنظر إلى استمرار الح.ربكنوعٍ من الصلابة أو الوفاء للقضية.

لا أحد يطلب من الضحايا أن ينسوا، ولا من الناس أن يتجاوزوا الدم بسهولة.

فالعدالة ضرورة، والمحاسبة ضرورة، والذاكرة ضرورة أيضًا.

لكن استمرار الحرب ليس عدالة، بل توسيعٌ لدائرة الضحايا.

والفرق كبير بين أن تبحث عن الإنصاف، وأن تُحوّل الوطن كله إلى ساحة انتقامٍ مفتوحة.

الحوار لا يعني تبرئة أحد، ولا يعني مساواة الجلاد بالضحية، ولا إلغاء الجرائم.

إنه فقط اعترافٌ مؤلم بأن الأوطان لا تُدار بالموت المستمر، وأن الشعوب لا تستطيع العيش إلى الأبد داخل خنادقالكراه.ية.

ربما كانت المأساة الأكبر أن السودان لم يصل إلى فكرة الحوار بعد انتصار الحكمة

بل بعد إنهاك الجميع.

بعد أن صار الخراب أكبر من أي خطاب، والجوع أعلى من أي شعارات، والتعب أصدق من كل المزايدات.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال المؤلم: لماذا انتهى الجميع إلى الحوار؟

بل: لماذا احتجنا كل هذا الدم كي نصل إلى ما كان واضحًا منذ اليوم الأول؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.