فواتير مؤجّلة

صحيفة الهدف

د.أحمد الليثي
#ملف_الهدف_الثقافي
ليست كل الأثمان تُدفع في حينها.
بعضُها يتأخر، يتوارى خلف الأيام، ثم يعود في توقيتٍ لا نختاره، كأنه يعرف متى نكون أكثر قدرة على الفهم، أو أكثر قابلية للألم.
نظن أن الماضي انتهى، لكنه لا يغادر تمامًا.
يظل كامنًا في قراراتٍ صغيرة اتخذناها على عجل، أو ظنناها صائبة، في تنازلاتٍ بدت لحظتها ضرورية، وفي لحظات إحباط اخترنا فيها الطريق الأقصر لأنه كان أقل وجعًا في حينه، وأكثر كلفةً لاحقًا.
ليست المشكلة في أننا أخطأنا. الخطأ جزء من الحكاية.
المشكلة أننا نظن أن الزمن سيطوي كل شيء دون حساب، وأن ما مضى قد سقط من دفاترنا.
لكن الحياة لا تُسقط شيئًا، بل تؤجله.
نلتقي بفواتيرنا القديمة في صورٍ مختلفة.
في علاقة لم تكتمل لأننا لم نحسن البقاء، في فرصة ضاعت لأننا ترددنا، في عادةٍ صغيرة تجاهلناها حتى كبرت وصارت عبئًا.
نلتقي بها أحيانًا على هيئة ندم، وأحيانًا على هيئة وعي متأخر، وأحيانًا على هيئة سؤال بسيط يطرق بابنا بلا استئذان: ماذا لو؟
لكن الإنصاف يقتضي أن ننظر إلى الأمر بوجهٍ آخر.
لم نكن دائمًا أحرارًا كما نظن، ولا واعين كما نحب أن نبدو.
كنا نتخذ قراراتنا بما توفر لنا من فهم آنذاك، بما حملناه من خوف، وما افتقدناه من تجربة.
كنا نحاول، بطريقتنا المحدودة، أن ننجو.
لذلك، حين ندفع اليوم، نحن لا ندفع فقط ثمن قرارات خاطئة، بل ندفع أيضًا ثمن رحلة التعلم نفسها.
ثمن أن نصبح أكثر وضوحًا مع أنفسنا، وأكثر صدقًا في اختياراتنا.
ربما لا يمكننا أن نلغي تلك الفواتير، ولا أن نعيد كتابة ما مضى.
لكن يمكننا أن نختار كيف ندفعها: إما بندم يستهلكنا، أو بوعي يحررنا.
فالحياة، في جوهرها، ليست محاسبة قاسية بقدر ما هي فرصة متجددة للفهم.
وما نظنه اليوم عبئًا من الماضي، قد يكون في الحقيقة ما يصنع خفّتنا في المستقبل.
لأننا، في النهاية، لا نصبح أفضل رغم أخطائنا فقط، بل أحيانًا بفضلها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.