صمت المثقّف.. خسوف المعنى

صحيفة الهدف

محمد الحاج
#ملف_الهدف_الثقافي
لم يكن المثقّف منذ الأزل كائنًا طارئًا في حواف الأزمنة، ولا قشرة لاصقة في لهاة الحياة. بل كان النجم الذي يُهتدى به في ليالي التيه، والقبس الذي تأوي إليه الأرواح التي أنهكها العمى.
هو حارس المعنى، وسادن اللغة، ومسبار الجمال وعرّاف الأسئلة الكبرى.
لكن شيئًا ما انكسر في مسار الضوء، وشيئًا ما أظلم في قلب المجاز، حتى بدأ الخسوف يبدو.. لا في السماء، بل في العقول.
خسوف المثقّف ليس غيابًا فجائيًا، بل انطفاء بطيء، يشبه انحسار المدّ عن شواطئ الروح.
إنه لحظة تواطؤ صامتة بين المعرفة والسلطة، بين الحبر والخوف، بين السؤال وإرادة الصمت.
هناك، حيث كان ينبغي للكلمة أن تكون سيفًا، وزيتًا لقناديل الحكمة، وخرزًا منضودًا في غدائر البصيرة، صارت زينة على موائد الباطل. وحيث كان الفكر ثورةً، غدا وظيفة باردة تؤدى بلا روح.
أيها المثقّف، متى تخلّيت عن دهشتك الأولى؟
أين سقطت جمرة السؤال؟
متى استبدلت قلقك النبيل براحة مشبوهة؟
ومتى صرت تكتب لتنجو، لا لتُنجي؟
وتنظر من فرجة القلب ونوافذ الحسرة!
إن خسوف المعنى لا يبدأ حين تكثر الأكاذيب، بل حين يفقد الصدق قدرته على الإضاءة، وتفقد الكلمة شرفها، وحين تتشابه الكلمات حتى تفقد ملامحها، وتُنتهك المفاهيم حتى تُفرغ من مضامينها.
عندها لا يصبح الجهل هو الخطر الأكبر، بل المعرفة المُدجَّنة، المعرفة التي تعرف.. لكنها لا تقول، أو تقول ما لا تعتقد.
الخسوف الحقيقي أن يرى المثقّف الخراب، ثم يصفه ببلاغة باردة دون أن يرتجف. أن يمرّ على الجراح كما لو كانت مشهدًا عابرًا، ويحدّق في بحر الدماء دون أن يخفق له قلب. أن يتحوّل من شاهد على العصر إلى شاهد زور عليه.
في زمن الخسوف، تُطفأ النجوم واحدة تلو الأخرى، تُطفأ الحرّية باسم الحكمة، وتُطفأ الحقيقة باسم الشرعية، ويُطفأ الإنسان باسم الضرورة.
وهكذا يتكاثف الظلام.. ليس لأن الليل طويل، بل لأن القمر قرّر أن يغيب.
لكن، رغم هذا الصمت، ثمّة نأمة لا تزال كامنة في أعماق السكون.
ثمّة كلمة لم تُكتب بعد، قادرة على كسر هذا الخسوف.
فالمعنى، مهما تاه، لا يموت.. إنه ينتظر من يحرّره من ركام الخوف.
ليس المطلوب أن يعود المثقّف كما كان، بل أن يولد من جديد..
أكثر شراسة، أكثر صدقًا، أكثر التصاقًا بجراح الناس.
أن يستعيد قلقه كفضيلة، وتمرّده كضرورة، ويحمل صوته كمسؤولية لا تقبل المساومة.
فيا أيها العابر بين الحرف والهاوية،
لا تصالح الظلام..
ولا تُؤاخِ الصمت، ولو منحك النجاة.
كن نارًا في زمن الرماد،
وصوتًا حين تتواطأ الحناجر على الصمت، ونايًا يَرْفُو جرح البلاد.
فالمثقّف الذي يصمت عندما يكون الكلام ضرورة، لا يحمي نفسه، بل يساهم في ردم البئر التي يشرب منها الجميع.
صمت المثقّف ليس قدرًا..
بل خيانة يمكن كسرها
بكلمة واحدة.. صادقة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.