الشوط الثاني للح.رب

صحيفة الهدف

ماجد الغوث

إن إطلاق صافرة الشوط الثاني في ميدانها الخرطوم لم يكن مجرد استعارة رياضية عابرة تتعلق ببداية مرحلة جديدة من المواجهة، بل كان إيذانًا واقعيًا ودمويًا بقدح زناد مرحلة أكثر تعقيدًا وشراسة في الصراع السوداني المتأزم، إذ تحولت العاصمة على الفور إلى ساحة تصفية مكشوفة ومفتوحة على مصراعيها، وذلك تحت وهم البحث عن تسوية عسكرية مستحيلة، فالواقع أن هذه المرحلة الجديدة كشفت عن نوايا أكثر قتامة مما سبقها. وفي خضم هذا الشوط الدرامي والمشحون بالتناقضات، تتكشف الاصطفافات بوضوح قات.ل لا يحتمل التأويل، حيث يقف في الزاوية الأولى الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني، متحالفًا بشكل علني ووثيق مع التيار الإسلامي المصلحجي وهو التيار الذي يحاول جاهدًا أن يبيع لنفسه صفة البديل المنقح أو المعدل عن نظام الإنقاذ السابق الذي انهار تحت وطأة الغضب الشعبي، بينما الحقيقة أنه في العمق يعيد إنتاج ذات الأدوات والقوى السياسية والدينية ذاتها التي تسببت في المآسي السابقة. إلى جانب البرهان يبرز في هذا التحالف حلفاء سياسيون جدد تمثل أسماؤهم مثل كيكل والنور قبة رمزًا لانتهازية واضحة، حيث راهن هؤلاء على فوضى المرحلة الانتقالية المضطربة كي يحققوا مكاسبهم الخاصة على حساب دماء السودانيين. وفي الجهة المقابلة تمامًا، وبشكل متوازٍ في العنف والإصرار، تواجه هذا التحالف ما يسمى بالقوى المشتركة وهي تكتل يمثل تحالفات مدنية وعسكرية أخرى معقدة التركيب، وتنتمي هذه القوى بدورها إلى ما يمكن تسميته بالتيار الإسلامي الرافض لإيقاف الح.رب  وهو تيار يرفع شعار رفض الح.رب شكلًا أمام الرأي العام،(بل بس)، لكن في الميدان وعند لحظة الحسم نجده يرفض رفضًا قاطعًا إيقاف الق.تال قبل أن تتحقق كل شروطه التعجيزية، بالإضافة إلى فئة ثالثة لا تقل تعقيدًا، وهم أولئك الذين أطلق عليهم النص وصف البراءون  وهم أشخاص وجماعات أكثر تطرفًا وتمسكًا باستمرار الق.تال والح.رب

من المؤكد أن الح.رب في السودان لم تعد نزاعًا حدوديًا يمكن حصره في جغرافيا معينة أو ملفات توضع  على طاولة المفاوضات، بل أصبحت أداة كاسحة وكبيرة لإعادة تشكيل مفاصل السلطة على أنقاض الدولة ذاتها، ونتيجة لذلك فإن الخلاصة المروعة التي يفرزها هذا الشوط الثاني لم تكن سوى كارثة إنسانية وحضارية متراكمة، حيث تترتب على هذا الاصطفاف المتشابك والمريع نتائج مدمرة تصعب معالجتها أو إصلاحها لعقود قادمة. فالنتيجة الأولى والأكثر وضوحًا تتمثل في استكمال تدمير ما تبقى من بنية تحتية هشة أصلًا في الخرطوم، تلك المدينة التي كانت قد تحملت ويلات الحصار والاشتباكات السابقة بصبر منهك، إذ لم يعد القصف موجهًا فقط لثكنات عسكرية أو مواقع استراتيجية محددة المعالم، بل امتد ليشمل وكأنه عن قصد الأعيان المدنية من مستشفيات لا تزال تعاني شح الإمكانيات والمستلزمات الطبية التي تعتبر شريان حياة للمرضى، وأسواقًا شعبية يقطنها الفقراء الذين لا ذنب لهم سوى أن منازلهم صارت في مرمى النيران، وجسورًا وكباري تصل أحياء العاصمة ببعضها البعض، فمع مرور الأيام صارت هذه الجسور مدمرة بالكامل وكأنها لم تكن حلقة وصل بين البشر، تمامًا كما جرى تدمير مؤسسات الدولة التي كانت تمثل الرمز الأضعف للسيادة ولتقديم الخدمات العامة الضرورية. وإضافة إلى ذلك، فإن المشهد الأكثر إيلامًا وجرحًا للضمير الإنساني يتمثل في مق.تل وإصابة العشرات بل المئات من المدنيين الذين اختاروا موقفًا شجاعًا لكنه مكلف جدًا، وهم أولئك المواطنون الذين رفضوا الح.رب أصلًا منذ اندلاعها وطالبوا مرارًا بضرورة إيقافها بغض النظر عن الجهة التي تبدأ الق.تال أو التي تنهيه، فهؤلاء أصبحوا وكأنهم فريسة تحت رحمة نيران الطرفين العشوائية أو في مرمى الاتهامات الساخنة بالخيانة وبالتعاون مع العدو…

والأسوأ من كل ما سبق، الذي سيخلد هذه المرحلة في ذاكرة السودان السوداء، ما سيأتي به هذا الشوط الثاني من تشريد ممنهج واعتقال واسع النطاق ينذر باغت.يال سياسي مقصود لكل صوت مدني حر تسلل إلى العاصمة، إذ من المتوقع وبشبه يقين أن يتم تشريد واعتقال عدد كبير جدًا من الناشطين في الشارع والسياسيين المخضرمين والنقابيين الذين دافعوا عن حقوق العمال، فضلًا عن كل من وقف بشجاعة ضد الانقلاب العسكري الأصلي وضد الح.رب المستعرة قائلًا كلمة حق بنوع من الشرف النادر، وذلك في زمن لا يملك فيه هؤلاء سوى صوتهم وضميرهما الوطني الحي. إن هؤلاء الناشطين هم ذاتهم الذين حملوا لواء المدنية في الشارع السوداني لسنوات متتالية، واستشهد منهم المئات في ثورة ديسمبر المجيدة التي أطاحت بطاغية، وها هم اليوم يُطاردون بقسوة من جديد بتهم ملفقة مثل الوقوف ضد الجهود الح.ربية أو الخيانة الوطنية لمصلحة المليشيات، بينما حقيقة الأمر المدمرة أن وقوفهم بشرف الكلمة ضد الانقلاب أولاً ثم ضد الح.رب ثانيًا يجعلك تفهم بوضوح أن الح.رب لم تعد مأساة عرضية أو انفجارًا عفويًا للغضب، بل أصبحت غطاءً دمويًا لتصفية حسابات حاسمة ونهائية بين إسلاميين تشظوا إربًا إلى أكثر من صورة، وبين حلفاء تسلحوا بشراسة ضد بعضهم البعض بعد أن كانوا شركاء مقربين في السلطة الفاسدة والثروة المنهوبة. وهكذا، وبدون أي مقدمات تذكر، يُسدل الستار على كل مشاهديات هذا الشوط الثاني المروع، ليبقى نصيب الخرطوم من كل ذلك مجرد جثث المدنيين المبعثرة في الشوارع، ويبقى للمعارضين نصب تشريدهم وإجبارهم على النفي القسري، كما يبقى لصوت العقل والكلمة الشريفة نعيه الأليم على ألسنة أولئك الذين آمنوا سذاجة بأن هذا الصوت لا يسكت بالرصاص الغادر، لكن الواقع السوداني المرير يثبت يومًا بعد يوم عكس ذلك تمامًا، حيث الرصاص هو من يكتب السيناريو الأخير.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.