محمد نجيب محمد علي
#ملف_الهدف_الثقافي
رحم الله مارغريت النور عثمان أبكر التي رحلت اليوم 4 فبراير 2026، والعزاء للأسرة..
الصورة من حوار روتْ لي فيه الكثير عن علاقتها بالنور وكيف بدأت وتفاصيل حياتهما معًا. يرحمها الله، عاشقة النور وملهمته وعاشقة السودان.
الشاعر النور عثمان أبكر (1938 – 2009) شاعر كبير، لعب دورًا مهمًا في الحراك الثقافي السوداني منذ الستينيات حتى أواسط السبعينيات، وعندما هاجر بعدها إلى الدوحة لم تتوقف جهوده الثقافية والإبداعية في هذه الحدود، بل عمل محرّرًا ثقافيًا بمجلة (الدوحة) التي كان يرأسها وقتها د.إبراهيم الشوش.
وكان النور منفتحًا على فكر الحداثة، خاصة وأنه شهد حراك هذا الفكر عندما كان مهاجرًا في ألمانيا، وتعرف على الأدب الألماني في أصوله الكلاسيكية، فعرف الروائي هيرمان هِسّه، وغونتر غراس فيما بعد، كما تعرف على الفلسفة الوجودية عند مارتن هايدغر، ونظر في هوسرل، وقرأ الرومانسية الألمانية، وبذلك استطاع أن يقرأ الفلسفة الوجودية التي ظهرت على يد الفرنسي جان بول سارتر.

وبرع هو وصديقه الشاعر السوداني محمد المكي إبراهيم، الذي كان يشاركه السكن، فتعرّفا على الأدب الوجودي وقتها، وكان ذلك في مطلع الستينيات، حيث ذهبا بعد التخرج من جامعة الخرطوم إلى ألمانيا ثم عادا. وكانت هذه الفترة من المؤثرات العميقة على فكر وأدب النور عثمان أبكر، وظهرت هذه التأثيرات في دواوين (صحوة الكلمات المنسية) و(غناء للعشب والزهرة).
وأخذ النور وأصدقاؤه يتشاركون التفكير في مسألة (الغابة والصحراء)، وكان هؤلاء الأصدقاء هم محمد عبد الحي ويوسف عيدابي ومحمد المكي إبراهيم، وقد ذكر محمد المكي إبراهيم في حوارات معه أن الغابة والصحراء هي فكرة من الأفكار التي طرحها النور عثمان أبكر، ثم اشتركوا الأربعة في الوصول بها إلى صورتها التي وصلت إلى الناس. ويبدو أن الخلاف بين محمد عبد الحي والنور كان حول من هو صاحب الفكرة أساسًا.
ودار بعدها الحوار المشهور بين النور والشاعر صلاح أحمد إبراهيم حول العروبة والأفريقانية، فجاء مقال النور الذي خاطب فيه صلاح بعنوان: (أنا عربي ولكن)، وكان صلاح يقول: “نحن عرب العرب”.
بعدها واصل النور متابعة الحراك الثقافي، وعمل مشرفًا ثقافيًا على الصفحة الثقافية بجريدة (الرأي العام)، وقدّم الكثير من الأقلام، خاصة في مجال القصة القصيرة من الشباب، أشهرهم محجوب شريف (الشعراني)، وشارك في الحياة المسرحية بترجمة (الأسد والجوهرة) لسوينكا، وشارك أيضًا في مؤتمر الرواية الأول في بداية السبعينيات بورقة مهمة حول الرواية السودانية.
وكان النور من أكثر المبدعين والمفكرين حيوية ونشاطًا وجدية في العمل الثقافي العام، وساهم وشارك في تجمع (أبادماك)، وكان له فيه نصيب الأسد، وانقطعت علاقته به بعد انقلاب هاشم العطا وندوة الأربعاء الشهيرة، وجاءت بعدها هجرته إلى دولة قطر.
كانت للنور صداقة وعلاقة مميزة مع الشاعر الراحل محمد المهدي مجذوب، إذ كان يعتبر نفسه تلميذًا له، وكانت له أيضًا مشاركاته في الندوة الأدبية بأم درمان التي كانت تُعقد في منزل عبد الله خادم الأمين، واستمع فيها للمطرب عثمان حسين وعثمان الحويج، والتقى فيها بالطيب صالح الذي انضم للندوة لمدة شهور قليلة.
وللنور تلاميذ من الشعراء منهم عالم عباس وحسن أبو كدوك ومحمد محمد خير، وكثيرًا ما كنت أرافق محمد محمد خير لزيارة النور بمنزله بالصافية. وكانت للنور علاقات واسعة جدًا بالوسط الثقافي، وكلمته مسموعة في الإطار الاجتماعي الذي تشوبه الصداقات والأخوة الصادقة، وكان يكتب النقد وكان جارحًا في نقده أحيانًا. وللنور ترجمات كثيرة، ومن أهم إصداراته الأخيرة ترجمته للجزء الخاص بدارفور من رحلة جوستاف بختي بال، وأيضًا رحلة الرحالة الألماني بريم إلى السودان.
كان النور محبًا للقراءة واقتناء الكتب، وجامعًا لأهم الإصدارات العربية والأجنبية، فتكوّنت له مكتبة ضخمة بشكل لا يُصدق، وهي المكتبة التي جعلتها أسرته مكتبة مفتوحة للباحثين والقراء لتكون صدقة جارية على روحه، كما قالت لي ابنته إيزيس، وأصبحت من أكبر مكتبات الثقافة في السودان في الخرطوم بحري، إذ تحتوي على أكثر من سبعة آلاف عنوان في ضروب الثقافة والإبداع المختلفة.
وكان النور قد عمل لفترة طويلة، حتى آخر أيامه، مترجمًا في الديوان الملكي بدولة قطر.
أوراق من حياة الشاعر
تقول زوجته الألمانية مارغريت عثمان، وهي تقلّب في صفحات ألبوم يروي ذكرياتهما، إنها التقت بالنور لأول مرة في شارع بأحد مقاهي ميونخ في ستينات القرن الماضي، إذ جمع بينهما صديق مشترك دون موعد، وكان أن طلب النور لقاءً آخر، وفي ذلك اللقاء أهدته كتاب (الشعراء الألمان) لريلكه، وأهداها سمفونية لبيتهوفن، وطلب منها الزواج. وكان ميلاد ابنتهما الكبرى (إيزيس) هناك، وكان يريد اسم عبد الرحمن علي إن جاء ولد.
وتضيف مارغريت: قبل رحيله بشهر واحد كنت في رحلة من قطر إلى الخرطوم، وكان النور يشكو من دوار يصيبه. في المطار طلبت منه أن يراجع الطبيب، ووعدني بذلك. وعند وصولي إلى الخرطوم اتصلت به وسألته إن كان قد ذهب للطبيب، فقال لي: لم أذهب، لكنني ذهبت إلى معرض الكتاب واشتريت كتبًا. الكتب هي العلاج والدواء.
كان الكتاب هو حياة النور، وفي بيتنا في قطر كانت كل الغرف تمتلئ برفوف الكتب، ولم تسلم غرفة من ذلك. وكان كثيرًا ما يقول: لدي كتب كثيرة، ماذا سيكون مصيرها؟
ولم يترك النور وصية، لكنني رأيت أن تكون هنا مكتبة تحمل اسمه تخليدًا لذكراه، وليستفيد منها الآخرون. فقد كان في منزلنا بالصافية صالون كامل مليء بالكتب، بجانب الكتب التي أحضرناها من الدوحة. واستغرق منا ترتيب المكتبة وفهرستها وقتًا طويلًا، أعاننا فيه محمد عبد القادر من المكتبة الوطنية، ولا نزال نعمل فيما تبقى منها.
آثار باقية
تقول إيزيس، ابنته الكبرى، وهي فنانة تشكيلية، إن والدها ترك الكثير من المخطوطات والكتابات التي لم ترَ النور بعد، فقد وجدت أكثر من ستين قصيدة له، بعضها كان في بطن الكتب، وأغلبها كتب في الدوحة في الألفينات وبعضها في التسعينيات، وجمعتها وسلمتها للشاعرين كمال الجزولي وعالم عباس لمراجعتها بحكم صداقتهما لوالدها.
كما وجدت الكثير من كتاباته في القصة القصيرة، بجانب ترجمات لم ترَ النور. وتضيف إيزيس أنها عثرت بين أوراقه على رسائل من الطيب صالح ومحمد المهدي مجذوب وإبراهيم الصلحي وعلي المك وآخرين.
وتقول إن والدها كان يبدأ يومه بالقراءة قبل القهوة والذهاب إلى العمل، وعند عودته يواصل القراءة أو الكتابة قبل الغداء وفي المساء كذلك، وكان يحب الاستماع للموسيقى أثناء القراءة والكتابة، خاصة موسيقى الجاز، وترك مكتبة موسيقية ضخمة تحتوي على شرائط وأسطوانات عالمية وأعمال لفنانين سودانيين منهم خضر بشير وأبو داوود وزيدان ومحمد الأمين.
وكان يجيد الإنجليزية والألمانية قراءة وكتابة وتحدّثًا، وفي مكتبته كتب ألمانية جلبها من ألمانيا، وبعضها هدايا من زوجته.
وتحكي إيزيس أنه كان عاشقًا لكرة السلة مارسها في شبابه.
وتقول إنها وجدت داخل أحد الكتب مطلع قصيدة بخط يده:
“داهمني الحنين لحظة
ولحظة صرعت عند بابك المكين”..
وكانت مكتوبة على ورقة من أوراق مؤتمر العرب العاشر بالجزائر عام 1975.
وعن آخر قصيدة كتبها النور، تقول إيزيس إنها قصيدة كتبها عن والدتها بتاريخ 12/11/2008 قبل رحيله بقليل، ولم تُنشر من قبل:
القصيدة الأخيرة:
أحبك أو لا أحبك
أنتِ التي جمعتِ في خيالي المعنى
حقيقة أني
غريبٌ بأرض الغرام الوَرِف
لسني
أفي آخر الطرقات المريعة
أهفو
لبيضة خدر
أسوق المغنى
أيا زهرة في فضاء التمني
تبارك ذاك الذي يستطيب خباك
ويحمل في صدره من رؤاك
مودة شعبين تنتظم العالمين.
وتقول إيزيس إن والدها رحل في قطر التي أمضى بها ثلاثين عامًا، وقد افتقده القطريون كما افتقده أهله، ودفن هناك بينهم.

Leave a Reply