ملف “الهدف” الثقافي ينشر حوار أحمد الجمال الشاعرة نيالاو آيول

صحيفة الهدف
  • قصيدة النثر تلغي الحدود بيني وبين العالم
  • شاعرة جنوب سودانية تحلم بكتابة نصوص تقاوم الزمن

الشاعرة الجنوب سودانية نيالاو آيول تمتزج نصوصها بين الطبيعة وتجارب الحياة اليومية، فتبدو الأشجار والغابات امتدادًا للذات، والفراغات الصغيرة حاملةً لمعانٍ عميقة تتجاوز ظاهر الأشياء. من نصوصها المبكرة مثل (تميمة لشجرة المانجو) إلى أعمالها الحديثة (الفراغ) و(البيت)، تقودنا رحلتها الشعرية بين التجريد والواقع، بين الذات والكون، لتكشف عن لغةٍ صادقة تنمو مع كل قصيدة، وتفتح نافذة على رؤيتها الخاصة.
في حوار أجرته معها (الجريدة)، تحدّثت آيول “المقيمة في كندا” عن كيفية تحويل مشاعرها الداخلية إلى صورٍ شعرية حيّة، وعن تطوّر أسلوبها من الاحتماء بالغابات إلى التحليق بين عناصر الطبيعة، وعن العلاقة العميقة بين جذورها وهويتها وبين نصوصها، لافتة إلى أن قصيدة النثر تلغي الحدود بينها وبين العالم..

حوار: أحمد الجمّال

  • في نصوصك غالبًا ما تمزجين بين الطبيعة والتجربة الإنسانية، كيف تترجمين مشاعرك الداخلية إلى صورٍ شعرية في قصيدة النثر؟
    – قصيدة النثر تتيح لي الحرية في أن ألغي الحدود بيني وبين العالم، فالإنسان ابن هذه الطبيعة. لا أستعير صور الطبيعة كزينة، لكنني أعيشها كانتماءٍ عميق، وقد كتبت يومًا: “أنا ابنة الغابات المطيرة/ والأشجار الشاهقة”، ونادرًا ما أستعمل مفردة الفأس في نصوصي. من الطبيعي أن تتحدث مشاعري لغتها، فمشاعري الداخلية لا تترجمها الكلمات، فالحزن هو الرطوبة التي تسبق المطر، والكبرياء يستمد قامته من تلك الأشجار التي لا تنحني. لغتي هي لغة البقاء والامتداد ومحاولة النمو الأخضر وسط جفاف العالم. إذن، في قصيدتي أحاول “أنسنة الطبيعة” وعناصرها. الطبيعة هي اللغة والبلاغة التي تجعل من الفكرة المجرّدة صورة ملموسة يشعر بها كل من يمر بين السطور.
  • قصيدة (تميمة لشجرة المانجو) (2017) كانت من أعمالك المبكرة، كيف تنظرين إلى تطوّر أسلوبك منذ تلك القصيدة حتى اليوم؟
    – نعم، (تميمة لشجرة المانجو) لم تكن من نصوص البداية، لكنني أعتبرها نصًا له خصوصيته، ولا أعدّها شهادة ميلادي الشعرية، فهناك نصوص غيرها، لكن للقارئ ذائقته الشعرية التي جعلت هذا النص ينتشر ويعرّف القراء بنيالاو.
    ومنذ (تميمة لشجرة المانجو) لم يتغيّر انتسابي للغة الطبيعة وطقوسي كثيرًا، لكن أسلوبي تطوّر من الاحتماء بـ”شجرة” إلى التحليق في الطبيعة وعناصرها المتنوعة، ووصف الجذور ومعاناتها في الأعماق. أصبحت الطبيعة هي بنية النص في معظم نصوصي، لكني انتقلت من السردية إلى التجريد، مع حرصي على أن تظل لغتي رطبة تمامًا، كغاباتي المطيرة التي لم أغادرها يومًا. تعلّمت كيف أجعل من التأمل والدهشة مساحات أكثر وعيًا باللغة. أصبحت أكتب ببطء أكبر، وأميل إلى الاقتصاد في الكلمات وتكثيفها.. لغتي بقاء وامتداد، وأحاول أنسنة الطبيعة في قصيدتي.
  • في نصيك الحديثين (الفراغ) و(البيت)، تظهر صور عن الذاكرة والحياة اليومية، ما الفكرة أو الشعور الذي حاولتِ التعبير عنه فيهما؟
    – في هذين النصين تجسيد للفكرة التي تشغلني دائمًا: كيف تتحوّل ذاكرتنا إلى أشياء ملموسة وخالدة، أي كيف نخلّد التفاصيل الصغيرة التي تمنح حياتنا المعنى، وإن بدت عابرة. في (البيت) الفكرة أننا لا نسكن البيوت، بل هي التي تسكننا.. لحظة الدفء التي تقاوم النسيان.
    في (الفراغ) كنت أكتب عن ذلك الامتلاء الخفي الذي يسكن الفراغ نفسه، عن الأشياء التي غابت لكنها لا تزال تترك أثرها. أما (البيت)، فهو محاولة لفهم معنى المأوى، ليس كمكان فقط، بل كذاكرة محمولة في داخلنا. وفي النصين حاولت أن أقترب من التفاصيل اليومية بوصفها حاملة لمعانٍ أعمق من بساطتها الظاهرة.
  • كثير من نصوصك تتناول الهوية والانتماء.. كيف تؤثر جذورك وتجربتك الثقافية على كتاباتك؟
    – جذوري ليست مجرد خلفية لكتاباتي، بل هي التربة التي نمت فيها لغتي، وهي البيئة الأولى التي زرعت في داخلي قاموسًا بصريًا محسوسًا قبل أن أحوّله إلى لغة. وبالتالي هذه الجذور التي أنتمي لها حاضرة في نصوصي، حتى عندما لا أذكرها صراحة. تظهر في اللغة، وفي الصور، وفي الإحساس بالأشياء.
    التجربة الثقافية بالنسبة لي ليست موضوعًا أكتب عنه، بل هي الطريقة التي أرى بها العالم وأعكسها في نصوصي، لذا فإن الانتماء عندي ليس ثابتًا، بل حالة مستمرة من البحث. حتى إنني أعرّف نفسي بأنني كائن كوني، وأظن أنني أكتب بحرية تُظهر جذور انتمائي، وتؤثر بمستويات عميقة في كتاباتي.. جذوري ليست مجرد خلفية، بل التربة التي نمت فيها لغتي.
  • هل تفضلين أن تترك قصائد النثر مفتوحة للتفسير، أم تسعين لإيصال رسالة محددة للقارئ؟
    – أفضّل أن تبقى القصيدة مفتوحة للتفسير، فقصيدة النثر بطبيعتها مساحة حرة ونافذة مفتوحة يدخل منها القارئ ليصنع معناه الخاص، وله دوره الخلّاق داخل النص، فالقارئ هو من يجعل النص حيًا.
    الشعر بالنسبة لي ليس إجابة، بل احتمال يحتوي على أسئلة الكون العميقة، فالمشاعر ليست ثابتة، لكنها تتحرك كالكواكب. لا أسعى إلى إيصال رسالة واحدة، ما عدا تلك النصوص ذات الطابع السياسي أو التجارب التي أريد تثبيتها لا تعويمها.
  • ما التحديات الكبرى التي تواجهينها عند صياغة نص نثري يتجاوز الصور التقليدية للشعر؟
    – أكبر تحدٍّ هو الابتعاد عن الصور المستهلكة والتكرار، من دون فقدان البساطة والصدق، والبحث عن زوايا جديدة لاستعمال المفردة، من دون التخلي عن أسلوبي الذي يدل عليّ.
    أحيانًا يكون من السهل الوقوع في الجمال الجاهز، والأصعب هو العثور على صورة تبدو عادية لكنها تحمل عمقًا خفيًا، كما أن الحفاظ على توازن النص بين الشعري واليومي يشكّل تحديًا دائمًا.. أسلوبي تطوّر من الاحتماء بـ(شجرة) إلى التحليق في الطبيعة.
  • إذا نظرتِ إلى مسيرتك الشعرية حتى الآن، كيف ترين تطور صوتك الفني؟ وما الذي تطمحين للوصول إليه في المستقبل؟
    – إذا نظرت إلى مسيرتي الشعرية حتى الآن، أجد أن كتابة الشعر عندي لم تكن ثابتة، لكنها تشكّلت عبر التجارب والتحولات الذاتية التي مررت بها. في البدايات كنت أكتب بدافع الانفعال، وكانت الصور الشعرية تأتي عفوية مباشرة، لكنها غارقة في الذاتية. ومع الوقت بدأت أعي أن الشعر ليس فقط تعبيرًا عن الألم أو الجمال، بل هو أيضًا وعي باللغة، وانتباه لتفاصيل العالم، وأنه الشريان الذي ننقل به التجربة الشخصية إلى أفق إنساني أوسع.
    أشعر بأن صوتي أصبح أكثر نضجًا ووضوحًا، وأكثر اقترابًا من نفسي الحقيقية. لم أعد أبحث عن لفت الانتباه بقدر ما أبحث عن الصدق. في المستقبل أطمح إلى كتابة نصوص أكثر شفافية، نصوص تستطيع أن تلامس الإنسان ببساطتها وعمقها في آن واحد، وأن تترك أثرًا يشبه الهمس الطويل.. نصوص تلامس الإنسان من دون حواجز. حلمي أن أكتب نصوصًا تقاوم الزمن، وأن تصبح قصيدتي مكانًا يُرى فيه العالم بشكل مختلف، وأن تظل قادرة على الدهشة حتى بالنسبة لي كاتبة النص.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.