بعد أربعين يوماً من المواجهة العسكرية الواسعة النطاق بين اميركا والكيان “الصهيوني” من جهة وإيران وملحقاتها أو ما أصبح يعرّف بأذرعها العكسرية والأمنية من جهة ثانية، أعلنت أميركا عن وقف لإطلاق النار على جبهة إيران بالتزامن مع بدء تنفيذ حصار بحري على المرافئ والموانئ الإيراني، ومثله الإعلان عن وقف لإطلاق النار على جبهة لبنان. وقد أعقب ذلك إطلاق مفاوضات مباشرة أميركية – إيرانية برعاية باكستانية، كما عقد جلسة أولية لمفاوضات مباشرة بين لبنان والكيان “الصهيوني” ممثلين بسفيريهما في واشنطن وبإشراف أميركي مباشر . وفي الجلسة الثانية، حصل اللقاء في البيت الأبيض بحضور وزير الخارجية الأميركي، وباستقبال برتوكولي للوفود من جانب الرئيس الأميركي.
ان اللقاء الوحيد للمفاوضات المباشرة بين أميركا وإيران في العاصمة الباكستانية، لم يسفر عن أية نتائج عملية لخارطة طريق لحل الأزمة التي انفجرت على نطاق واسع نهاية شباط من العام الحالي. ومع أن الجولة توقفت بشكل دراماتيكي، وعاد الوفدان إلى بلادهما وكل واحد متمسك بسقف موقفه، إلا أن ذلك لم ينعكس سقوطاً للهدنة العسكرية التي أعلنتها أميركا من طرف واحد واستجابت لها إيران لحاجتها إلى مهلة تلتقط فيها أنفاسها ومعها تستعيد ترتيب أوضاعها الداخلية نتيجة مق.تل رموز الصف الأول والثاني وصولاً إلى الثالث من هرمية القيادة العسكرية والأمنية فضلاً عن المرشد علي خامئني.
هذا التوقف للعمليات العسكرية على جبهة إيران، لم يرافقه وقف مماثل على جبهة لبنان، وإن تراجعت حدتها وامداءات استهدافاتها في العمقين اللبناني وداخل الكيان “الصهيوني” ، إذ تركزت جل العمليات العكسرية في المنطقة التي يعتبرها العدو “الصهيوني” داخلة ضمن مايعتبره المنطقة التي بدأ يطلق عليها الحزام الأمني ويؤشر عليها باللون الاصفر اسوة بما جرى في غزة.
وإذا كان الوضع العسكري مازال مفتوحاً على كافة الاحتمالات وخاصة احتمال العودة إلى استئناف المواجهة العسكرية الشاملة بسبب تعثر الاتفاق على الحلول السياسية ، فإن الوضع الحالي في ظل استمرار الحصار البحري على جبهة إيران، واستمرار المواجهة على جبهة لبنان ، كما استمرار الملي.شيات العراقية المرتبطة بالنظام الإيراني بقصف أهداف ومرافق اقتصادية وبنى تحتية في بعض أقطار دول الخليج العربي ،يبقي الأوضاع في حالة “ربط نزاع “بين الأطراف الثلاثة الأساسية التي تبحث عن حلول لم تؤد معطيات المواجهة السابقة عن انضاج طبختها.
هذا الوضع العسكري الهش وإن شهد خفضاً لدرجة حماوته، إلا أن الوضع السياسي الذي يخيم على واقع الساحات التي تدار منها وعبرها عمليات التقاذف بالنار هي على درجة عالية من الحماوة. فمراكز القرار الأساسية للمواجهة الواسعة النطاق في كل من واشنطن وتل ابيب وطهران ، تنوء تحت ضغط الأعباء السياسية والعسكرية والاقتصادية وفاتورتها المرتفعة على الداخل الأميركي كما على داخل الكيان “الصهيوني” وهما اللذان يقفان على عتبة استحقاقات داخلية، الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي والشاملة للكنيست “الصهيوني” ، ومثلهما الداخل الإيراني الذي ارتفع منسوب وضعه المأزوم عسكرياً واقتصادياً وسياسياً بعد بروز موشرات قوية على صراع حاد على مرجعية القرار بين مؤسسات الحكم التي تمسك بمفاصل السلطة، التي ظهرت من خلال إدارة ملف التفاوض مع أميركا.
وإذا كانت مراكز التقرير تنحصر بثلاثة، فإن مراكز تلقي النتائج تكاد تكون شاملة العالم برمته، بعض منها وهو الأقرب، لم يكن بمنأى عن العمليات العسكرية التي طالت مرافقه والمقصود هنا دول الخليج العربي، وهو الأوسع فهو واقع تحت عبء الآثار الاقتصادية الناجمة عن أزمة النفط والغاز والشحن البحري والجوي وحتى البري ومعها التلوث البيئي الذي ستظهر أضراره لاحقاً.
وإذا كان الفضاء العربي، هو الفضاء الذي يتم فيه تبادل الرسائل بالنار والمياه العربية هي التي تتحمل تثقيل الأساطيل البحرية، فإن الساحتين الأكثر تأثرًا بالنتائج المباشرة لسياقات المواجهة ببعديها العسكري والسياسي هما ساحتا لبنان والعراق.
إن هاتين الساحتين، إضافة إلى ساحة اليمن يرى فيها النظام الإيراني منصات ضرورية لإدارة أجندة مشروعه الخاص بالنظر للأهمية الاستراتيجية التي تنطوي عليها هذه الساحات لتقوية مواقعه وتحسين مواقفه التفاوضية. وإذا كانت ساحة اليمن لم تنخرط مباشرة في سياقات العمليات العسكرية لحسابات خاصة بمعطياتها وربما لتوظيفها لاحقاً في سياق الصراع على المضائق، حيث باب المندب يحتل أهمية أكثر من تلك التي يتميز بها مضيق هرمز، فإن ساحتي لبنان والعراق انزلقتا عبر الأطراف المرتبطة بالنظام الإيراني إلى تنفيذ أمر العمليات الإيراني للاشتراك بالمواجهة منذ اللحظة الأولى لاندلاعها ثأراً لمق.تل “المرشد” من ساحة لبنان وتوجيه رسالة بالنار إلى دول الخليج العربي من ساحة العراق وبما أدى إلى ربط مسار هاتين الجبهتين الفرعيتين بالمسار الرئيسي الذي تشكل طهران ركناً أساسياً من أركانه، وهو مايجعل معطى هاتين الساحتين من وجهة نطر النظام الإيراني ورقتان بيده للتفاوض والمقايضة بهما وعليهما.
إن التشابه في معطى ساحتي العراق لبنان، ينطلق من كونهما يدخلان ضمن امداءات مشاريع الكيان “الصهيوني” وهو الأخطر، والمشروع الأميركي وهو الأشمل، والمشروع الإيراني وهو الأخبث، وهما بالأساس ساحتان مثقلتان بعبء المشاريع التي تستهدف أمنهما الوطني من ضمن الاستهداف الشامل للأمن القومي العربي وتعانيان في الوقت ذاته من وضع مأزوم على الصعيد السياسي في ظل تفشي الفساد الذي تديره منظومة حكم المحاصصة في كل البلدين وهو ما أدى إلى إضعاف مقومات الدولة التي فقدت الكثير من وظائفها بحكم التعطيل لدورها وعدم تمكينها من أن تكون المرجع الدستوري الذي تنحصر فيها إدارة شؤون الداخل وانتظام الحياة فيه تحت سقف القانون والعلاقات مع الخارج على قاعدة نسج العلاقات الندية تحت سقف القانون الدولي العام.
وإذا كان عنوان الأزمة الحالية في العراق يتمحور حول الانسداد السياسي في إعادة تركيب مؤسسات الحكم ومنها رئاسة الحكومة التي تتجاذبها ظاهرياً مراكز القوى المليشياوية، وعملياً التجاذبات الأميركية – الإيرانية، فإن أزمة لبنان تتعدد عناوينها وهي تنطوي على جملة تحديات، أولها تحدي الاحتلال “الصهيوني” الذي يمارس سياسة الأرض المحروقة في الجنوب، وتحدي الضغط الأميركي الذي يدفع باتجاه إدخال لبنان دائرة الاتفاقات الإبراهيمية، وتحدي التثقيل الإيراني الذي يعتبر ساحة لبنان من أهم الساحات التي يضغط من خلالها على التحالف الصهيو- أميركي الذي دخل في مواجهة شاملة معه حول جملة ملفات، ومنها ملف النفوذ الإقليمي لإيران في الإقليم.
ومن غريب المصادفات، أن الثلاثي الص.هيوني – الأميركي – الإيراني، رغم الاختلاف بين أطرافه حول كثير من القضايا، إلا أنه يبدو متفقاً على هدف واحد هو إضعاف الدولة الوطنية العربية والدولة اللبنانية واحدة منها وكل لهدف خاص به.
فالعدو الص.هيوني، يريد للدولة اللبنانية أن تكون ضعيفة كي تبقى عاجزة عن إدارة صراع يتسم بالشمولية ضد مشروعه الاستيطاني التوسعي . وأميركا تريد للبنان أن تبقى دولته ضعيفة كي يبقى عاجزاً عن مواجهة الضغوط الأميركية التي تمارسها لفرض ترتيبات مشروعها الأشمل على مستوى المنطقة ولبنان جزء من جغرافيتها. والنظام الإيراني يريد للدولة اللبنانية أن تبقى ضعيفة، كي تبقى ساحته منصة لإدارة مشروعه بالإتكاء على ذراعه العسكري، اللبناني الهوية، الإيراني الهوى والتمويل والتوجيه والتنفيذ والأهداف.
إن أطراف هذا الثلاثي، ورغم أنها منخرطة الآن في مواجهة عسكرية واسعة، لكن مايبدو واضحاً وجلياً ،أن قنوات الاتصال المباشرة وغير المباشرة ليست مقطوعة بينها. والاتصالات التي تجري في المواقع الخلفية، الظاهر منها والمخفي تدور حول مخارج سياسية تعطي لكل طرف بحجم مايمتلك من أوراق قوة. والنظام الإيراني الذي يبدو الخاسر الأكبر من نتائج العمليات العسكرية على الأرض نظراً لحجم التدمير الهائل الذي الحقته الآلة الحربية الأميركية – “الإسرائيلية ” في البنية التحتية الإيرانية، إلا أنه مايزال يمتلك بعضاً من أوراق القوة، وهذه لاتنطلق فقط من تأثيره الميداني على الملاحة في مضيق هرمز ولا من الحاقه أذى بالداخل “الصهيوني” ولا من وجود أذرع تنفذ إملاءاته، وإنما الأهم من كل ذلك إدراكه بأنه مازال حاجة أميركية ضمن حدود الاحتواء لدوره في إطار الاستراتيجية الأميركية لتشكيل نظام إقليمي جديد. كما إدراك هذا النظام أن لامشكلة أساسية له مع الكيان “الصهيوني” خارج إطار الملف النووي حتى لاتدخل المنطقة في سباق تسلح نووي والعرب عندها سيسعون إليه في اليوم التالي الذي تمتلك فيه إيران سلاحاً نووياً ، لأن فلسطين وهي الحلقة المركزية في جوهر الصراع العربي الص.هيوني ليست قضية قومية لإيران كما هي بالنسبة للأمة العربية.
وعليه، فإن باب الصفقات يبقى مفتوحاً بين الثلاثي الأميركي “الاسرائيلي” الإيراني . وقد حصل أن تمت صفقات ثنائية بين هذا الثلاثي والكل يتذكر صفقة “ايران غيت” ( صفقة السلاح الشهيرة ) وعوفر غيت ( صفقة الفستق ) بين نظام الملالي والكيان الص.هيوني، وصفقة احتلال العراق وتدميره واستيلاء داعش، بين ذات النظام وأميركا. وهذا غيض من فيض الصفقات المكشوفة الثنائية الطرف. أما الصفقة الثلاثية الطرف فحبرها لم يجف بعد وهي التي تناولت ترسيم الحدود البحرية، يوم قايض من لايملك ( النظام الإيراني )بحقوق لبنان البحرية وأعطى لمن لايستحق (الكيان الصهيوني )من هذه الحقوق وكان الثمن الإيراني المقبوض فك الانسداد السياسي في أزمة التكليف والتأليف الحكومي في العراق.
واليوم يتجدد المشهد، انسداد حكومي في العراق بفعل التجاذب الأميركي -الإيراني ، “وكباش” سياسي في لبنان حول مقاربة ملف المفاوضات الذي نرفض مقاربته شكلاً ومضموناً بالطريقة التي حصلت وتتواصل، منطلقين من دوافع وطنية وقومية، فيما الذين يرفضون ذلك وهم ينفذون الأجندة الإيرانية إنما دافعهم هو اعتراضهم على فك ارتباطه بالمسار الإيراني وتجاوز حضورهم ولو من مواقع خلفية وهو الذي يفقد إيران ورقة تفاوضية قاتل. ت وتق.اتل من أجلها.
وأمام عملية شد الحبال بين الأطراف الثلاثة، هل يتكرر سيناريو الترسيم البحري في مقاربة ملف المفاوضات، بأن تأخذ أميركا “واسرائيل” في الملف اللبناني، وتأخذ إيران مقابل ذلك في ملف العراق، وأول غيث ذلك، فك الانسداد السياسي عبر تمرير التكليف الحكومي لمصلحة إيران.
لقد حضر قاآني إلى بغداد في ذروة الأزمة، ويبدو أن النظام الإيراني قبض سلفاً في ملف فك الانسداد الحكومي والخشية أن يكون لبنان الخاسر الأول، لأنه سينحر على مذبح مذكرة التفاهم الأميركية التي تدار عملية التفاوض على أرضيتها، والعراق الخاسر الثاني، الذي سيبقى رهينة للاحتلال الإيراني من الباطن، مع ضمان المصالح الأميركية فيه وخاصة في حقلي النفط والغاز.

Leave a Reply