المقداد جميل مقداد
الذاكرة انتقائية، فهي تتمسّك بالتفاصيل الصغيرة، وتعلّقنا بها، ثم تعود لتهاجمنا في اللحظة غير المتوقعة. ينزل المطر، وعلى الرغم من غرق البيوت وتآكل كلّ شيء من حولنا، من شبابيك متهرئة ومرقّعة، ومن جريٍ متكرر لتدارك المياه قبل الغرق، إلا أنني أحسّ بلهفةٍ غامضة للمدينة في المطر. أشمّ رائحتها في أنفي، وأتذكر بحرها في الشتاء، ومشيها في الأيام الماطرة.
بينما كنت أمارس عادة الإنسان الحديث في “التنقّل البصري” بين الشاشات، وأتصفّح بعض المقاطع على (فيسبوك)، ظهرت لي مشاهد من مدينة غزّة وشوارعها قبل الحرب. ثلاث سنوات فقط تفصل بين صورتين متناقضتين، لكنها تبدو كفاصل زمني ثقيل لا يُقاس بالسنوات بل بالتحوّلات.
منتزه الجندي المجهول في حي الرمال، البسطات والمقاهي الصغيرة، ألعاب الأطفال، الأراجيح، وضجيج الأغاني الذي كان يملأ المكان. الليل هناك كان مختلفًا؛ تختلط فيه أصوات جورج وسوف وعمرو دياب مع رائحة القهوة المحلية، أو ما كنت أسميه “قهوة الشوارع”. زحام المارّة، نداءات الباعة، صفارات المرور عند مفترق فلسطين، ومحل “السوسي” للفلافل، كلها كانت تشكّل نسيجًا صوتيًا واحدًا للمدينة.
مقطع آخر لشارع عمر المختار الممتد نحو البحر، والسيارات تعبر بين حي الرمال والمجلس التشريعي والميناء، أعاد إليّ إحساسًا حادًا بالفقد. لم تكن مجرد صور، بل استعادة مفاجئة لمدينة كانت كاملة تحت أيدينا، ثم صارت بعيدة بهذا الشكل.
كان السؤال يتكرّر بقسوة: هل كنا نعيش المدينة حقًا أم كنا نمرّ بها فقط؟ لماذا لم ننتبه لتفاصيلها إلا بعد أن اختفت؟ ولماذا لم نوثقها كما ينبغي؟
يقال إن الإنسان الحديث يبالغ في تصوير اللحظة وينسى عيشها. لكن التجربة هنا تقلب المعادلة؛ إذ يبدو أن ما لم يُوثَّق يتحوّل إلى فجوة في الذاكرة، وإلى ألم لاحق لا يمكن استعادته إلا على شكل حسرة.
في السيارة مع أمي، وسط شارع غمرته مياه منخفض جوي، كانت البسطات تعيق الحركة، والطريق بالكاد يصلح للعبور. قالت بعفوية: “كنّا نتذمّر من غزّة، والآن نتمنى لو تعود كما كانت”. جملة قصيرة لكنها كانت أثقل من كل الشروحات.
ذلك التحوّل القاسي بين “ما كان” و”ما أصبح” يخلق طبقة جديدة من الوعي، لا تقوم على الحنين فقط، بل على مساءلة الذات أيضًا: هل كنا نرى المدينة حقًا؟ أم كنا نمرّ عليها دون أن نلتفت إلى معناها الكامل؟
هذه الأسئلة لا تتوقف. تتكرّر كل ليلة تقريبًا، كأنّ الذاكرة نفسها تحوّلت إلى عبء يومي. كل مقطع قديم يصبح فخًا صغيرًا يعيد فتح الباب على مدينة لم تعد موجودة بالشكل الذي نعرفه.
حتى المطر لم يعد حدثًا عاديًا. صار استدعاءً مؤلمًا لذاكرة كاملة: رائحة البحر، أصوات الشوارع، خطوات الناس على الأرصفة المبللة.
الذاكرة هنا لا تعمل كأرشيف، بل كقوة انتقائية تُبقي على ما كان بسيطًا، وتعيده بشكل أكثر حدة مما كان عليه في الأصل.
ربما لهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت: من يحمل عبء الذاكرة يا غزّة؟ ومن يكتب سيرة مدينة لم تعد تُرى إلا من خلف الركام والذكريات؟
– كاتب وباحث من غزّة

Leave a Reply