د.أحمد الليثي
في كلِّ مرةٍ يسقط فيها نظامٌ استبدادي، يعتقد العالم أن صفحةً جديدة قد فُتحت، وأن التاريخ بدأ أخيرًا يصحّح مساره. غير أن التجربة الإنسانية تُظهر أن اللحظة الأكثر خطورة لا تكون قبل سقوط الطغيان، بل بعده. فإسقاط السلطة حدثٌ سياسي، أما ما يليه فهو اختبارٌ عميق لقدرة المجتمعات على إدارة الحرية، وبناء الدولة، والتعايش مع الاختلاف دون العودة إلى أشكالٍ جديدة من القيد. هذا المقال لا يتناول تجربة بعينها، بل يحاول قراءة ما بعد الثورات بوصفه ظاهرةً متكررة في التاريخ الحديث، حيث يتحول النصر، في كثيرٍ من الأحيان، إلى بداية أزمةٍ من نوعٍ آخر.
الثورات تشبه العواصف: تملك شجاعة الاقتحام، لكنها لا تملك خرائط الإقامة. لا تدخل التاريخ كأحداثٍ فحسب، بل كزلازلَ في معنى الوجود ذاته. إنها اللحظة التي ينهار فيها ما كان يبدو أبديًا، فتتعرّى الحقيقة: لم يكن الاستبداد قدرًا.. بل عادةً طويلة من الخوف طال أمدها حتى بدت طبيعية. لكن الزلزال لا يبني مدينة؛ إنه يزيلها فقط.
وحين يسقط الطغيان، لا يولد الفجر فورًا، بل يولد صمتٌ كثيف، كأن العالم فقد صوته دفعةً واحدة؛ صمتٌ يشبه ما بعد الصرخة الكبرى، حين لا يبقى في الحنجرة سوى الهواء، ولا في القلب سوى الدهشة. كأن التاريخ نفسه توقّف لحظةً ليسأل: والآن.. ماذا بعد؟ ومن أنتم دون عدوّ؟
ليس كلُّ نصرٍ خلاصًا؛ فبعضُ الانتصارات ليست سوى بدايةٍ أكثر تعقيدًا للهزيمة، أو تلك اللحظة التي يبدأ فيها التاريخ امتحان المنتصرين. فالعدو حين يسقط، لا تسقط معه الأسئلة، بل تتحرّر من سجنه وتنتشر كطيورٍ مذعورة في سماءٍ بلا حدود.
كان وجود الثورة قائمًا على المقاومة، فلما انتهت المقاومة انكشف الفراغ تحت قدميها. اكتشفت أنها كانت تعرف كيف تقاتل.. لكنها لم تتعلم كيف تعيش. في زمن المعركة كان المعنى واضحًا كحدّ السيف: هناك ظالم.. وهناك من يقاومه. خطٌّ مستقيم بين الألم والرجاء، بين القيد واليد التي تحاول كسره.
أمّا بعد المعركة، فيتكسّر هذا الخط إلى شظايا. تتكاثر الأسئلة كالفطر بعد المطر حتى يصبح السؤال نفسه عبئًا: من يحكم؟ من يملك الحقيقة؟ من يمثل الدم الذي سُفك؟ ومن خان.. ومن اختلف.. ومن تأخر.. ومن تقدّم؟
يتحوّل الرفاق إلى مرايا متقابلة، يرى كلٌّ في الآخر انحرافًا عن الحلم، وتتحول الشعارات التي كانت جسورًا إلى أسوار. كان الخوف يوحّدهم، فلما زال ظهر ما كان مؤجَّلًا باسم الضرورة: الاختلاف، الطموح، الجراح القديمة، الحسابات المؤجلة. اكتشفوا أنهم لم يكونوا شعبًا واحدًا بقدر ما كانوا رفضًا واحدًا، والرفض وطنٌ مؤقت لا يصلح للسكن.
النصر يجرّد المنتصر من ضرورته الأولى؛ فقد كان يعرف نفسه لأنه يعرف عدوه، أما الآن فعليه أن يعرف نفسه دون مرآة الكراهية، ودون دفء المعركة، ودون وضوح الخندق، وهذا أشد قسوةً من الحرب. في زمن المعركة كانت الحقيقة تقف على جانبٍ واحد: الخندق هنا.. والعدو هناك.. والراية فوق الجميع. أمّا بعد المعركة، فتتشظّى الحقيقة: تتبيّن كثرة الرايات، وتنتقل الخنادق من الأرض إلى الصدور، ويتحوّل العدو من شخصٍ إلى احتمالٍ يسكن الجميع. الثورة لا تهدم القصر فقط.. بل تهدم السقف الذي كان يحمي المختلفين من بعضهم.
كان الخطر الخارجي يجمع المتناقضين كما تجمع العاصفة الحطام في اتجاهٍ واحد؛ فلما هدأت الريح عاد كلُّ شيء إلى مساره الطبيعي: التصادم. وهنا يتحوّل النصر إلى صراعٍ على السلطة، والشرعية، وتعريف الثورة، وكتابة التاريخ. كلُّ طرفٍ يرى نفسه الوريث الوحيد للحلم، ويرى الآخرين انحرافًا عنه، وتصبح البلاد ميادين حربٍ جديدة.. بلا أناشيد هذه المرة.
في لحظة الانتصار يحدث الانكسار الذي لا يُرى. يكتشف المنتصرون أن السلطة ليست منصةً للبطولة، بل طاحونةٌ بطيئة تطحن الأحلام إلى إجراءات؛ آلة ثقيلة لا تتحرك بالهتاف بل بالوقت، ولا تفهم لغة العاطفة بل لغة القيود.
الهتاف لا يملأ الخزائن، والدموع لا تكتب الدساتير، والبطولة لا تُصلح أنبوب ماءٍ مكسور. ثم تأتي الحقيقة الأكثر قسوة: العدو الذي سقط لم يأخذ معه الخراب، بل ترك دولةً مرهقة، ومؤسساتٍ بلا روح، واقتصادًا يتنفس بصعوبة، ومجتمعًا تعلّم الخوف أكثر مما تعلّم الثقة، وأجهزةً تعرف كيف تعيش بلا سيد، لأن السيد كان النظام لا الشخص.
كأن الطغيان لم يكن حاكمًا.. بل طريقةً في ترتيب العالم. تكتشف الثورة متأخرةً أنها كانت تعرف كيف تُسقط، لكنها لم تتعلم كيف تُمسك دون أن تكسر. فالقبضة التي تهدم الجدار قد تهدم النافذة، واليد التي تسقط القصر قد لا تعرف كيف تبني بيتًا صغيرًا.
الوسائل التي صنعت النصر ليست هي الوسائل التي تصنع الدولة: الشجاعة لا تضع ميزانية، والتضحية لا تكتب قانونًا، والإخلاص لا يمنع التضخم، والبطولة لا تضمن وصول الخبز إلى المائدة.
النصر يرفع سقف الأمل حتى يلامس المستحيل، لكن الواقع لا يعرف المعجزات؛ إنه يعرف الزمن، ذلك العدو البطيء الذي لا يمكن هزيمته. حين لا تتحقق الأحلام بسرعة يبدأ التآكل: يتحوّل الأمل إلى قلق، والقلق إلى تعب، والتعب إلى حنينٍ خافت إلى أي يقين.. حتى لو كان قيدًا مألوفًا.
حتى الخوف، حين يطول، يصبح نظامًا للحياة، والفوضى قد تبدو أشد قسوة من الاستبداد لمن أنهكهم الانتظار. ثم يقع التحول الأخطر: حين يبدأ المنتصر في حماية النصر بدل حماية المستقبل.
يصبح الماضي مقدّسًا لأنه مصدر الشرعية، ويُخشى النقد لأنه “يهدد المنجز”، وتُخشى التعددية لأنها “تفتت الصف”، ويُخشى التغيير لأنه قد يعيد الفوضى. هكذا يتحوّل النصر، الذي كان وعدًا بالحرية، إلى حارسٍ للخوف.
وفي لحظةٍ ما، يكتشف الناس أن السلطة الجديدة لا تسير نحو المستقبل بقدر ما تحرس بوابة الماضي؛ لا لأنهم أرادوا الاستبداد، بل لأن الخوف من ضياع النصر أشد من الرغبة في المخاطرة بالحرية.
الهزيمة بعد النصر لا تأتي ككارثةٍ مفاجئة، بل كغروبٍ طويل لا يلاحظه أحد لأنه يحدث ببطءٍ شديد: تبهت الأحلام، تثقل اللغة، يتحوّل الأمل إلى واجبٍ لا شغفًا، ويصبح الاستقرار قيمةً أعلى من الكرامة.
وحين يصل المجتمع إلى هذه النقطة، يكون المنتصر قد هزم نفسه دون معركة. الحقيقة الأعمق أن الثورة لم تكن تقاتل الطغيان وحده، بل الطبيعة البشرية نفسها: الخوف، الطموح، الذاكرة الجريحة، الحاجة إلى المعنى، والرغبة القديمة في أن يقودنا أحد، حتى لو قادنا إلى القيد. فالعدو الخارجي واضح ويمكن قتاله، أما العدو الداخلي فمتعدد، متحوّل، ويتكلم بصوتك. ليست مأساة النصر أنه لم يحقق الحلم، بل أنه كشف أن الحلم أصعب من أن يتحقق دفعةً واحدة، وأثقل من أن يحمله جيلٌ واحد، وأعقد من أن تختصره لحظةُ بطولة.
إسقاط الخصم لحظة شجاعة.. أما حكم النفس فامتحان حضارة.
ولهذا لا تُقاس عظمة الثورات بقدرتها على الانتصار، بل بقدرتها على النجاة من انتصارها، والانتقال من نشوة الهدم إلى حكمة البناء، ومن وحدة الخوف إلى تعددية الثقة، ومن أخلاق المعركة إلى أخلاق الحياة.
فالحرية لا تُصان بالشجاعة وحدها، بل بالقدرة على أن نعيش مع الاختلاف دون أن نحوله إلى حرب، وأن نحمي الحلم من أنفسنا.. لا من أعدائنا فقط.

Leave a Reply