أ.د.أبشر حسين
في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، كنت أعمل صباحًا بمستشفى الشعب التعليمي، وبالمساء في عيادتي الصغيرة بشارع الموردة في الهاشماب. لكن المسافة الحقيقية لم تكن بين هذين المكانين، بل كانت في الطريق الذي يصل بينهما.. ذلك الطريق الذي قطعته مئات المرات على قدمي.
كنت أسكن ببانت غرب، وأخرج إلى العيادة مع انكسار حرّ العصر، وأعود قرابة العاشرة مساءً. لم يكن المشي ضرورة بقدر ما كان اختيارًا، أو عادةً تسلّلت إليّ منذ سنوات الشباب، ثم استقرّت فيّ حتى صارت جزءًا من تكويني.
في تلك الأيام، لم تكن أم درمان مزدحمة كما هي اليوم، وكان بإمكانك أن تمشي فتتعرّف على المدينة، لا أن تعبرها فقط. كنت أرى الناس؛ يسلّمون عليّ، أو يوقفونني ليستشيروا في عارضٍ صحي، أو يطلبوا زيارةً لمريض لا يستطيع الحضور. وهكذا امتدّت عيادتي إلى خارج جدرانها، وصار الطريق نفسه جزءًا من الممارسة الطبية.
في إحدى الليالي، وبعد انتهاء العيادة، جاءني صديق (م.م.ع) ليأخذني معه لزيارة خاله المنوَّم بمستشفى ابن سينا. ركبت خلفه على موتَره، وفي الطريق تذكّرت مريضًا بمستشفى الشعب حالته حرجة، فطلبت أن نمرّ عليه.
عند بوابة المستشفى، أوقفنا الحارس لأن الوقت ليس وقت زيارة. قلت له بهدوء: “معك د.أبشر”.
فاندهش، وهو يراني مردوفًا على موتَر، ثم فتح الباب. دخلنا، اطمأننت على المريض، ثم خرجنا.
في صباح اليوم التالي، استدعاني مدير المستشفى ضاحكًا: “في شكوى ضدك!”
كانت الشكوى أنني دخلت المستشفى “مردوفًا على موتَر”.
ضحكنا معًا، وقلت له: “أنا أعتبر ركوب الموتَر رفاهية.. فقد تعوّدت على المشي”.
لم تكن تلك مجرد عبارة عابرة، بل كانت تلخيصًا لتجربة. فقد تعلّمت، عبر تلك الخطوات الطويلة، أن الطبيب لا يُقاس فقط بما يعرفه، بل بمدى قربه من مرضاه.
كان المشي يُبطئني، نعم.. لكنه كان يجعلني أرى ما لا يُرى من داخل السيارات، ويقرّبني من الناس، حتى صرت أشعر أنني جزء من تفاصيل حياتهم اليومية.
وهكذا، لم يكن الطريق مجرد مسافة.. بل كان معلّمًا صامتًا، علّمني أن الطب، في جوهره، علاقة إنسانية قبل أن يكون علمًا.
في عالمٍ يتسارع فيه كل شيء، تبدو فكرة أن يمشي الطبيب إلى مرضاه وكأنها تنتمي إلى زمنٍ آخر. لكنها، في حقيقتها، تحمل دلالة أعمق من مجرد وسيلة انتقال؛ إنها تعبير عن فلسفة كاملة في فهم العلاقة بين الطبيب والمريض.
المشي يُبطئ الإيقاع، لكنه يُعمّق الرؤية؛ فالطبيب الذي يمشي يرى التفاصيل الصغيرة: ملامح التعب على الوجوه، صمت البيوت، تردّد الخطى. وهذه التفاصيل، التي قد تبدو عابرة، هي في الحقيقة مفاتيح لفهم الإنسان، لا المرض فقط.
لقد تحوّلت الممارسة الطبية الحديثة، في كثير من الأحيان، إلى علاقة مؤسسية باردة: مريض يدخل، ملف يُفتح، تشخيص يُكتب، ثم ينتهي اللقاء. لكن حين يخرج الطبيب من هذا الإطار، ويمشي في فضاء الناس، تتغيّر المعادلة.
المشي هنا ليس مجرد حركة، بل هو انحياز أخلاقي؛ انحياز إلى البساطة، وإلى القرب، وإلى فكرة أن الطب ليس خدمة تُقدَّم من علٍ، بل علاقة تُبنى على الأرض.
في تجربتي، كان الطريق امتدادًا للعيادة. كنت أزور المرضى في بيوتهم، لا لأن ذلك واجب مهني فحسب، بل لأنني كنت أشعر أن المرض، في كثير من الأحيان، لا يُفهم إلا في سياقه الإنساني والاجتماعي.
حتى تلك الحادثة البسيطة، حين دخلت المستشفى وأنا مردوفًا على موتَر خارج وقت الزيارة، لم تكن خروجًا على النظام بقدر ما كانت تعبيرًا عن أولوية: أولوية المريض على الشكل، والجوهر على الإجراءات.
ربما لا يمكن تعميم هذه التجربة في عالم اليوم، لكن يمكن استلهام روحها: أن يتذكّر الطبيب أن قربه من المريض، إنسانيًا، لا يقل أهمية عن مهارته العلمية.
في النهاية، قد لا يكون المطلوب أن يمشي الطبيب فعلًا..
لكن المطلوب أن يحتفظ، في داخله، بروح ذلك الذي يمشي.
ومع مرور الزمن، ومع اتساع وتطوّر نشاط مجموعة بروف داوود الخيرية، لم يعد المشي مقتصرًا على أزقّة أم درمان، بل امتدّ إلى مدن السودان المختلفة. تعلّمنا من شباب الجمعية أن نمشي إلى المرضى حيث هم، لا أن ننتظر مجيئهم إلينا.
وكما قال لي أحدهم ذات يوم: “كنت تمشي في شوارع أم درمان.. والآن نحن نمشي إلى مدن السودان”.
عندها أدركت أن تلك الخطوات الصغيرة، التي بدأت في طرقات بانت والهاشماب، لم تكن مجرد عادة، بل كانت بداية طريق.
#ملف_الهدف_الثقافي #أبشر_حسين #طب_الخرطوم #أم_درمان #إنسانية_الطب #بروف_داوود #السودان #فلسفة_المشي #أخلاقيات_المهنة #الهدف_الثقافي #أطباء_السودان #بانت #الهاشماب

Leave a Reply