المحرر الاقتصادي
ربما يكون أكثر ما يميز هذه الحرب عن غيرها هو استهدافها غير المباشر والمباشر للطبقة الوسطى. فقبل الحرب، كان الاقتصاد السوداني يعاني أصلًا من اختلالات عميقة، لكن الحرب حوّلت تلك الاختلالات إلى انهيار شامل.
في حوار مع (راديو دبنقا) بمناسبة اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، أوضح الخبير الاقتصادي ، د.عبد الحليم تيمان، أن “ميزان العدالة الاجتماعية قد اختل، حيث تعرضت الطبقة الوسطى لتآكل حاد وغير مسبوق أفقدها كثيرًا من دورها الاقتصادي والاجتماعي”. هذا التصريح لا يُعد مجرد رأي، بل هو تشخيص لحالة تحوّلت فيها الحرب إلى أداة لتفكيك النسيج الاجتماعي السوداني.
الأرقام التي يستند إليها هذا التشخيص مثيرة للقلق؛ إذ شهدت العملة السودانية تدهورًا حادًا في قيمتها منذ اندلاع الحرب، مع انخفاض كبير في قدرتها الشرائية، وارتفاع ملحوظ في حصة الإنفاق العسكري مقارنة بالقطاعات الإنتاجية والخدمية. كما تُقدَّر تكلفة إعادة الإعمار بعشرات المليارات من الدولارات وفق تقديرات أولية. هذه المؤشرات ترسم صورة قاتمة لدولة تنفق على الحرب ما لا تملك، وتفقد من الكفاءات البشرية “المهندسين، الأطباء، المدرسين وأصحاب الحرف” ما لا يمكن تعويضه.
لكن الخطر الأعمق يتمثل فيما يحدث للشباب. فمع تعطّل الجامعات والمدارس في أجزاء واسعة من البلاد، وتزايد معدلات البطالة، يجد الشباب السوداني نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: الهجرة أو الانخراط في أحد أطراف الصراع. إنها معادلة الحرب الكلاسيكية: الحرب تخلق جيلًا ضائعًا، وهذا الجيل يغذي الحرب.
الرسالة الأساسية: إن إعادة بناء السودان تبدأ بإعادة بناء الطبقة الوسطى. وهذا يتطلّب وقف الحرب أولًا، ثم استعادة مؤسسات الدولة، ومكافحة الفساد والمحسوبية، وتطبيق سياسات تنموية تعيد توزيع الفرص والخدمات بشكل عادل. فاستنزاف الطبقة الوسطى لا يعني فقط تراجع الدخل، بل انهيار منظومة القيم المرتبطة بالاستقرار والتعليم والوظيفة العامة.

Leave a Reply