المحرر الاقتصادي
لم تعد الحرب في السودان مجرّد صراع على السلطة أو تنازع على الشرعية، بل تحوّلت، بمرور الوقت، إلى نمط اقتصادي قائم بذاته، يعيد تشكيل الدولة من الداخل عبر تفكيك بنيتها التحتية وتحويلها إلى مورد تمويلي للصراع. وفي قلب هذا التحوّل، تقف ظاهرة تفكيك محولات الكهرباء ونهب الكابلات النحاسية بوصفها واحدة من أخطر تجليات ما يمكن تسميته بـ(اقتصاد الخراب).
فما يجري لا يمكن تفسيره بوصفه تخريبًا عرضيًا ناتجًا عن العمليات العسكرية، بل هو فعلٌ منظم، تتداخل فيه مصالح قوى الحرب مع شبكات تهريب إقليمية، لتتحوّل الكهرباء، التي تمثل عصب الحياة، إلى سلعة قابلة للاقتلاع والبيع في الأسواق العالمية.
تشير الوقائع الميدانية إلى أن قطاع الكهرباء في السودان تعرّض لضربات غير مسبوقة، تمثلت في تدمير آلاف المحولات، ونهب مساحات شاسعة من الكابلات الأرضية والهوائية، إضافة إلى استهداف محطات التوليد وخطوط النقل. لكن الأهم من حجم الدمار هو طبيعته: دمارٌ انتقائي يهدف إلى استخراج مكوّنات ذات قيمة، وفي مقدمتها النحاس، بما يعكس انتقال الحرب من منطق السيطرة إلى منطق الاستخراج.
لقد تحوّلت المدن، خاصة العاصمة ومحيطها، إلى ما يشبه (مناجم مفتوحة)، حيث تُحفر الشوارع لاستخراج الكابلات، وتُفكك المنازل لاستخلاص الأسلاك، في مشهد يعكس انزلاقًا خطيرًا من انهيار الدولة إلى تفكيكها المادي.
تتبع هذه العملية مسارًا اقتصاديًا واضح المعالم، يبدأ بالتفكيك والاستخراج، ويمر بمرحلة الصهر البدائي داخل مناطق النزاع، ثم ينتقل إلى التهريب عبر الحدود، وصولًا إلى إعادة تصديره ودمجه في سلاسل الإنتاج العالمية.
في هذه السلسلة، يُباع النحاس بأسعار متدنية في دول العبور، قبل أن يُعاد تسعيره في الأسواق الدولية بأضعاف قيمته. وهكذا يتحقق ربح سريع لقوى النهب، بينما يتحمل الاقتصاد السوداني كلفة مضاعفة: فقدان الأصل الإنتاجي، وارتفاع كلفة إعادة بنائه. إنها، ببساطة، معادلة (تصدير القيمة واستيراد الخراب).
لا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن البنية الأوسع لاقتصاد الحرب، حيث لم تعد الموارد تُستخدم لدعم الاقتصاد الوطني، بل لإدامة الصراع نفسه. فالنحاس، إلى جانب الذهب، أصبح موردًا موازيًا لتمويل العمليات، وتغذية شبكات التهريب، وتأمين تدفقات السلاح. وبهذا المعنى، لم تعد الحرب تستهلك الموارد فحسب، بل أصبحت تعيد إنتاج نفسها من خلالها. إنها حلقة مغلقة: تُدمَّر البنية التحتية لتمويل الحرب، وتُموَّل الحرب لمواصلة التدمير.
لكن أخطر ما في هذا المشهد لا يكمن في الخسائر الاقتصادية وحدها، بل في تداعياته الإنسانية العميقة. فالكهرباء ليست خدمة ترفيهية، بل شرط أساسي للحياة؛ بها تُضخ المياه، وتُشغَّل المستشفيات، وتُحفظ الأدوية، وتستمر سلاسل الغذاء. وحين تنهار هذه المنظومة، يدخل المجتمع في حالة (عتمة شاملة)، تتوقف فيها الخدمات، وتتفاقم الأمراض، وتُدفع المجتمعات نحو النزوح والفقر والهشاشة. وهنا لا يعود الحديث عن تخريب بنية تحتية، بل عن تقويض شروط البقاء ذاتها.
من منظور قانوني، تقترب هذه الممارسات من توصيف (جرائم الحرب)، لا سيما حين تستهدف بشكل ممنهج البنية التحتية المدنية، وتؤدي إلى حرمان السكان من مقومات الحياة الأساسية. غير أن خطورتها تتجاوز البعد القانوني لتلامس سؤال الدولة ذاته: كيف يمكن إعادة بناء كيان تم تفكيك مواده الأولية وبيعها؟
إن إعادة إعمار قطاع الكهرباء لن تكون مجرد عملية فنية أو مالية، بل هي معركة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة ومواردها، وبين المجتمع وبنيته الأساسية. فالمشكلة لم تعد في تدمير ما هو قائم فقط، بل في تفكيك المنطق الذي كان يحكمه. والتحدي الأكبر لا يكمن في استبدال الكابلات والمحولات، بل في كسر نموذج (اقتصاد الحرب) الذي حوّل الدولة إلى مخزون قابل للبيع، والمجتمع إلى ضحية دائمة.
ما يحدث في السودان اليوم يكشف عن تحوّل نوعي في طبيعة الحروب: من صراع على السلطة إلى صراع على المادة، ومن محاولة السيطرة على الدولة إلى تفكيكها وبيعها جزءًا جزءًا. وفي هذا التحوّل تصبح الكهرباء، بما تمثله من حياة، مؤشرًا على عمق الأزمة: فإذا كانت الدولة تُقاس بقدرتها على إضاءة بيوت مواطنيها، فإن انطفاء هذه الأنوار ليس مجرد عتمة كهربائية، بل إعلان عن انطفاء نموذج الدولة ذاته. ومن هنا، فإن معركة السودان الحقيقية لم تعد وقف الحرب فقط، بل استعادة المعنى: أن تكون الموارد للحياة لا للموت، وللبناء لا للبيع.

Leave a Reply