في ذكراه الـ14: حميِّد.. الشاعر الذي صار وطنًا من الكلمات

صحيفة الهدف

د.أحمد الليثي

تمرّ أربعة عشر عامًا على رحيل الشاعر محمد الحسن سالم (حميِّد)، لكن الزمن، في حضرة الشعر الحقيقي، لا يُقاس بالسنوات، بل بمدى بقاء الصوت حيًّا في الذاكرة. فبعض الغياب لا يشيخ، وبعض الراحلين لا يغادرون، لأنهم لم يكونوا مجرد أفراد، بل كانوا تعبيرًا مكثفًا عن وجدانٍ كامل، وعن طبقةٍ كاملة، وعن وطنٍ بأكمله وهو يبحث عن لغته التي تشبهه.
لم يكن حميِّد شاعر نُخبٍ ولا شاعر منصّاتٍ رسمية؛ كان شاعر الناس الذين لا يملكون منصّة سوى صوتهم. خرج من قلب الريف السوداني، من بيئةٍ تعرف قسوة الطبيعة وكرم الإنسان، فحمل إلى الشعر طين الأرض ورائحة الحقول ولهجة الحياة اليومية، دون تصنّع أو تجميل. لم يكتب عن الإنسان بوصفه مفهومًا مجردًا، بل كتب عن إنسانٍ بعينه: المزارع، العامل، الأم، الطالب، المهمَّش، والمهاجر الذي يحمل وطنه في ذاكرته حين تضيق به الأرض.
كانت قصيدته أقرب إلى الحكاية الشعبية منها إلى القصيدة التقليدية؛ فيها صوت الجماعة، وإيقاع الخطى في الطرقات الترابية، ودفء المجالس الليلية حيث تتجاور الشكوى مع الضحكة. لذلك لم يكن حضوره مقتصرًا على الكتب، بل عاش في الحناجر، في الأمسيات، في الأغاني، وفي ذاكرة الناس الذين حفظوا شعره كما يُحفظ الدعاء. كان صوت الأرض حين تتكلم، ووجدان الهامش حين يرفض الصمت، وذاكرة البسطاء وهم يحوّلون التعب اليومي إلى معنى.
أعاد حميِّد للشعر العامي السوداني مكانته بوصفه شعرًا قادرًا على حمل المعنى العميق دون أن يفقد بساطته. لم تكن لغته هروبًا من الفصحى، بل عودة إلى ينابيع الكلام الأولى، إلى اللغة التي لا تفصل بين القول والحياة. فحين يكتب باللهجة، لا يبدو كمن يترجم، بل كمن يتنفس، ولهذا ظل شعره قريبًا حتى ممن لا يقرأون الشعر عادة؛ لأنه لا يطلب منهم أن يرتقوا إليه، بل ينزل إليهم ليأخذهم معه.
وفي جوهر تجربته كان هناك انحيازٌ واضح للعدالة والكرامة الإنسانية. لم يكن شاعرًا سياسيًا بالمعنى الدعائي، لكنه كان شاعرًا أخلاقيًا بامتياز؛ يرى في البسطاء معيار الحقيقة، وفي معاناتهم اختبارًا لضمير الوطن. لذلك حمل شعره حسًّا احتجاجيًا رقيقًا لا يعتمد الصراخ، بل يكشف القسوة عبر التفاصيل الصغيرة: تعب اليدين، انتظار الأمهات، خيبة الأحلام المؤجلة، وحنين الذين غادروا ولم يغادرهم الوطن.
كما كان شاعر المكان بامتياز؛ فالقرية عنده ليست خلفية، بل شخصية حيّة: النهر، الحقل، الطريق، بيت الطين، وحتى الصمت في ليالي الريف، كلها عناصر تشارك في صناعة المعنى. ومن خلال هذا المكان المحلي جدًا استطاع أن يلامس الإنساني العام؛ لأن الصدق حين يبلغ ذروته يصبح كونيًا.
ولا يمكن الحديث عن تجربة حميِّد دون التوقف عند تحوّل شعره إلى صوتٍ غنائي خالد عبر تجربة الفنان الراحل مصطفى سيد أحمد. فقد وجد مصطفى في قصائد حميِّد ما يشبهه: الصدق الجارح، والانحياز للإنسان، والحزن النبيل الذي لا يفقد الأمل. وحين غنّى كلماته، لم يقدّمها بوصفها نصوصًا مُلحَّنة فحسب، بل بوصفها حياةً كاملة تُنشد. امتزج صوت الشاعر بصوت المغنّي حتى بدا أن القصيدة وُلدت لتُغنّى، وأن اللحن لم يضف إليها بقدر ما كشف عمقها الدفين. وبفضل هذا التلاقي الاستثنائي، خرج شعر حميِّد من حدود الصفحة إلى فضاء الوجدان الجمعي، فصار يُردَّد في البيوت والطرقات، وفي لحظات الفرح والانكسار على السواء. لقد منح مصطفى القصيدة جسدًا من صوت، ومنح حميِّد الأغنية روحًا من معنى، فخلقا معًا أحد أكثر الثنائيات تأثيرًا في الذاكرة الثقافية السودانية الحديثة.
رحل حميِّد جسدًا في مثل هذا اليوم، لكن حضوره الثقافي ازداد بعد رحيله؛ فالشعر الذي يولد من معاناةٍ حقيقية لا ينتهي بانتهاء صاحبه، بل يبدأ رحلته الطويلة في الذاكرة الجماعية. وكثيرًا ما يبدو أن غيابه الجسدي جعل صوته أكثر وضوحًا، لأن الناس صاروا يسمعونه بلا ضجيج الحياة اليومية.
في الذكرى الرابعة عشرة لرحيله، لا نستعيد شاعرًا مضى، بل نستعيد مرآةً نرى فيها أنفسنا كما كنّا، وربما كما نأمل أن نكون. نستعيد القدرة على تحويل الألم إلى جمال، والفقر إلى كرامة، والهامش إلى مركزٍ للمعنى.
لقد علّمنا حميِّد أن الشعر ليس ترفًا لغويًا، بل شكلٌ من أشكال البقاء، وأن الكلمة حين تصدر من القلب يمكن أن تصبح بيتًا يسكنه الناس حين تضيق بهم البيوت.
سلامٌ على حميِّد..
يوم وُلد صوتًا للناس،
ويوم عاش ضميرًا للأرض،
ويوم رحل جسدًا وبقي وطنًا من الكلمات..

#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #د_أحمد_الليثي #وطن_من_كلمات #الثنائية_الخالدة #مصطفى_سيد_أحمد #أدب_الهامش #وجدان_الشعب #شعر_العامية #السودان #صوت_الأرض #الالتزام_الأخلاقي #ذاكرة_الفقراء #الحزن_النبيل #ينابيع_الكلام #العدالة_والكرامة #أدب_الاحتجاج #الصدق_الفني #رحيل_الجسد_وبقاء_الأثر

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.