حِمِّيد.. ضدُّ البنية لا ضدُّ العَرَض

صحيفة الهدف

مجدي علي

كان شعرُ محمد الحسن سالم حِمِّيد، وسيظلّ، غصّةً في حلق أيِّ سلطة، لأنه لم يأتِ مجرّدَ خطابٍ احتجاجيٍّ عابر، ولأنه كان، على الدوام، تمثيلًا لغويًّا لوعيٍ يتشكّل خارج مركز الهيمنة. لم يعرف حِمِّيد التلطّف مع القبح، ولا المساومة مع القسر؛ ظلّ منحازًا إلى أولئك الذين لا صوت لهم، حتى صار صوته، في ذاته، إشكالًا بنيويًّا للسلطة (أيّ سلطة)، لا مجرّد إزعاجٍ لها. من هذه العتبة يمكن أن يُفهم: لا كشاعرٍ (ضدّ نظام)، بل كذاتٍ جماليةٍ تقف في تعارضٍ أصليٍّ مع كل نظامٍ يُنتج القهر.
الصراع في تجربته ليس خيارًا، بل أثرٌ لازمٌ لوعيٍ تشكّل في تماسٍّ مباشرٍ مع الهامش. غضبه، كما يقول، “نتاجُ وعيٍ بما يعيشه الفقراء والمهمّشون”، والمعرفة عنده تنبثق من المعايشة؛ فالسلطة ليست موضوعًا خارجيًا، بل بنيةٌ يوميةٌ تُختبر في الجسد والمعاش، ثم تُفكَّك في اللغة. لذلك يصبح عداؤه للأنظمة الدكتاتورية نتيجةً معرفية، لا موقفًا أيديولوجيًّا. وفي هذا السياق، يكتسب قوله “لا أحد يغضب من غير سبب” كثافةً تفسيرية؛ إذ إن غضبه ليس انفعالًا طارئًا، بل محصلةُ وعيٍ يتشكّل من الانحدار بين المسحوقين في الأرض، من الغُبش والفلاحين في الشمال، إلى العمال في الورش الحديدية في (أتبرا)، وصولًا إلى معايشة واقعٍ حياتيٍّ أليم تعيشه طبقاتٌ واسعة، في مقابل قلّةٍ تتلذّذ بسحل الشرفاء، مستمتعةً بالسلطة والثروة.
ولعلّ هذا الوعي نفسه هو ما يفسّر كلفة الشعر في حياته؛ إذ لم يكن الشعر لديه إضافةً جمالية، بل قدرًا وجوديًّا أثقل مساره الإنساني. فما من شاعرٍ دفع ضريبة كونه شاعرًا كما دفعها حِمِّيد؛ فقد أفقده الشعر كثيرًا، و”أربك نموّه الطبيعي كبشرٍ من لحمٍ ودم”، بين توقّفٍ مبكّرٍ عن التعليم، وفصلٍ عن العمل، وتشريدٍ وملاحقاتٍ واعتقالاتٍ، ومنعٍ لعرض أعماله، وصولًا إلى الاغتراب. ومع ذلك، لم يتحوّل هذا الثقل إلى مرثية ذاتية، بل ظلّ الشعر لديه وسيلةً للوقوف في وجه القهر، مؤمنًا بأن الشعراء “أنبياء زمانهم”، وأن الأنبياء لا يندمون؛ لأن وظيفتهم القلق الخلّاق، ذلك القلق الذي يجتاح الشاعر يوميًا ليحضّه على فعل الجميل من التعب. ومن هنا، لا تبدو تجربته في خصومةٍ مع إنسانٍ بعينه، بقدر ما هي في خصومةٍ مع ما في الناس من حنقٍ على أوطانهم.
ضمن هذا الأفق، تتحدّد رؤيته للسلطة: فهي تنفصل حين تتعالى على شروط الحياة. عبارته الحاسمة “السلطة السياسية وحدها هي التي تفجّر في الناس براكين الغضب عندما تذهب بعيدًا عن قضاياهم” تختزل فلسفته؛ إذ إن الشرعية ليست معطًى قانونيًّا، بل علاقةٌ حيّةٌ بين الحكم والحياة. متى انقطعت هذه العلاقة، تحوّل الحكم إلى جهاز قهر، وتحولت القصيدة، بالضرورة، إلى أداة كشف.
غير أن فرادة حِمِّيد لا تكمن في نقد السلطة فحسب، بل في موقعه خارج ثنائية (سلطة/ معارضة). فهو يميّز بدقّة بين من “يطلب السلطة” ومن “يحرّض على وطنٍ بلا متسلّط”. في هذا الفارق ينفصل الشاعر عن السياسي: الأول يشتغل بالجمال كقيمةٍ كاشفة، والثاني يشتغل بالسلطة كغاية. لذلك يصرّ على أن قصيدته ليست لحزبٍ أو تيار، لا بوصفها حيادًا، بل تحرّرًا من منطق التوظيف؛ فالقصيدة عنده لا تُستخدم، بل تُنتج أفقًا.
هذا الموقع يفسّر استمرارية صدامه مع أنظمةٍ متباينةٍ ظاهرًا ومتطابقةٍ جوهريًا؛ فمن (مايو) إلى (الإنقاذ)، لا يتبدّل موقفه لأن موضوعه ليس النظام اسمًا، بل بنية. فالأنظمة تتغيّر لغويًّا وتبقى وظيفيًّا: إدارةً للقهر وإعادةَ إنتاجه. لذلك لا ينخدع بتبديل الشعارات، ولا يغادر موقعه مع تبدّل الواجهات.
وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في موقفه من الأنظمة العسكرية، التي تمثّل لديه أقصى درجات الانفصال بين الدولة والحياة؛ إذ تتحوّل الدولة إلى جهازٍ أمني، والسياسة إلى تقنية ضبط. من هنا جاءت علاقته بها حادّة: اعتقال، منع، حصار. ومع ذلك، لا يحوّل هذه التجربة إلى سردية بطولة، بل يعيد توجيه النظر إلى البنية التي أنتجت القهر، متجاوزًا الألم الشخصي. وفي الآن نفسه، لا يسقط في اختزالٍ أخلاقيٍّ ساذج؛ إذ يفرّق بين الفرد والبنية، ويعترف بإمكان (إنسانيةٍ) داخل جهاز القمع، دون أن يمنح ذلك أيّ شرعيةٍ للمنظومة، فيبقى خطابه نقدًا معرفيًّا لا خطاب كراهية.
الأكثر كثافةً في تصوّره هو إعادة تعريف معيار الحكم. فعندما سأله الصديق الشاعر عثمان عوض ضرار، في حوار يبقى للتاريخ، عن شكل الحكم الذي يمكن أن يُسكت غضبه ويكف مداده، أجاب: “هو ذلك الذي يملأ حفائرنا وجداولنا بالمياه ويساعدنا على الحياة”. ليست هذه إجابةً ريفيةً مبسّطة، بل اختزالٌ فلسفيٌّ بالغ الدقّة؛ إذ تُقاس السياسة بقدرتها على إنتاج الحياة، ويغدو الماء علامةً على الوجود ذاته. وكل سلطةٍ تعجز عن ذلك، مهما تزيّنت، هي سلطةٌ فاقدةٌ للمعنى، وبذلك ينتقل النقاش من شرعية الشكل إلى فعّالية الوظيفة.
ضمن هذا الإطار، يغدو توصيف حِميّد بـ(عداء كل الأنظمة) قولًا ناقصًا؛ فالأدق أنه يشتغل ضدّ منطق الهيمنة نفسه. لذلك يستعصي على الاحتواء: السلطة لا تستطيع تدجينه، والمعارضة لا تستطيع احتكاره؛ لأن كليهما يطلب منه أن يكون أداة، بينما يصرّ هو على أن يكون أفقًا. ومن هنا، تغدو قصيدته ممارسةَ تفكيكٍ مستمرة: لا تقدّم حلولًا جاهزة، بل تضيء مناطق العطب، وتترك للناس إعادة صياغة العالم، فتظلّ مفتوحةً، متحوّلةً، كائنًا حيًّا يعيد تشكيل الواقع.
وتتجلّى حيوية هذا الكائن في طريقة انتشار قصائده؛ فقد خرجت، كما يقول، كما يخرج الماء إلى اليابسة، وكما يخرج أطفال (الغبش) إلى لعب الشوارع. خرجت من أفواه المغنّين الصابرين، ومن على المنابر، ومن أشرطة الكاسيت البالية، وتداولها الناس بطرائقهم الخاصة، حتى إن محاربتها من قِبل خصومها لم تؤدِّ إلا إلى إضفاء بريقٍ إضافيٍّ عليها، والترويج لها من حيث لا يدرون. ولعلّ سرّ ذلك يكمن في صدقها العاري من الادّعاء؛ إذ يضع الشاعر قصيدته مشاعةً، كما تضع عرائس الأقمار أنوارها، يهتدي بها من يشاء، دون وصايةٍ أو ادّعاء ملكية.
لذلك لم يكن غريبًا أن يجد فيها المختلفون، من اليسار إلى اليمين، اختصارًا لمسائل فكرية معقّدة، قدّمها هو في أبسط صورها. ومع ذلك، ظلّ واعيًا بخطورة تحميل القصيدة ما لا تحتمل، أو تسييسها قسرًا، لأن ذلك يضع الشاعر في مواقع لم يخترها، ويستنزفه جسديًا وفكريًا.
في هذا المعنى، يتجاوز فهمه للثورة معناها التقليدي؛ إذ يغدو كل نصٍّ جميلٍ ومتماسكٍ، كُتب بصدقٍ واستوفى شروط الجمال، نصًّا ثوريًا بقدر ما يعيد قراءة الواقع ويحفّز على التحرّر. فالشعر، عنده، ليس زخارف لغوية، بل ممارسةٌ جذريةٌ للتحرّر من القهر، ووسيلةٌ لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والحياة، بعيدًا عن منطق الهيمنة أو الاستغلال.
هكذا، لا يبقى شعر حِمِّيد مجرّد موقفٍ من السلطة، بل يتحوّل إلى أفقٍ إنسانيٍّ مفتوح؛ إذ تجاوز حدود النصّ إلى الناس، وسكن أصوات المغنّين، وتوزّع بينهم كملكيةٍ جماعية، مؤكّدًا أنه كائنٌ حيٌّ قادرٌ على الاستمرار، وعلى كشف العطب وإعادة إنتاج الواقع معرفيًا وجماليًا.
يَتَقاصَرُ القولُ في حقِّ حمِّيد؛ إذ إنَّ الكتابةَ عنه لا تستقيم دون إدراكِ عمقِ هذه التجربةِ التي أضاءت عتماتٍ كثيفةً في الوعي، وأخرجت من اللغة شموسًا صغيرةً في مواجهة القهر. فحمِّيد ليس عدوَّ الأنظمة بوصفها كياناتٍ تاريخيّة، بل خصمُها بوصفها صيغًا لإقصاء الإنسان، وخصومتُه معها خصومةٌ بنيويّةٌ مع القهر ذاته. ومن هذا الموقع، لا يُفهم شعرُه باعتباره ردَّ فعلٍ عابرًا، بل بوصفه أفقًا مفتوحًا يشتغل في عمق البنية، حيث يظلّ حيًّا، يتحرّك بين الناس، يكشف الواقع، ويحرّر الجمال من أسر التسلّط، ويعيد توزيع المعنى خارج دوائر الاحتكار.
وحين رحل، لم يرحل بوصفه خصمًا لأحد، بل بوصفه حارسًا للجمال والحرية، حالمًا بعالمٍ أقلّ عنفًا وأكثر إنسانيّة. رحل، لكنّه ترك إرثًا مفتوحًا، وأفقًا حيًّا لإعادة صياغة الواقع وفق وعي الإنسان وإدراكه الشخصي، أفقًا يتجاوز لحظات التاريخ، ويتمركز، بوعيٍ صارم، في نقد البنية لا العَرَض، وفي إنتاج جماليّةٍ لا تُستنزف ولا تُستعبد.

#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #مجدي_علي #ضد_البنية #فلسفة_الغضب #الهامش_والمركز #أدب_المقاومة #الوعي_الجمالي #الأنبياء_لا_يندمون #تفكيك_السلطة #شرعية_الحياة #عشرة_الغبش #القلق_الخلاق #شعر_العامية #السودان #نقد_المعرفة #حميد_الإنسان #الأفق_التحرري #الجمال_الكاشف

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.