حمِّيد شاعر الغبش.. سيرة التجربة ومواجهة الأنظمة

صحيفة الهدف

ندى أوشي

لا يمكن قراءة تجربة محمد الحسن سالم (حمِّيد) بوصفها مجرد منجز شعري معزول، بل بوصفها سيرةً حيّةً لتشكّل الوعي ومواجهة الواقع الاجتماعي والسياسي في السودان. فحمِّيد لم يكن شاعرًا يصف العالم من مسافة، بل كان جزءًا منه؛ يتخلّق داخله، ويشتبك معه، ويعيد صياغته شعريًا بلغةٍ خرجت من عمق الناس وعادت إليهم.
وُلد عام 1957م في قرية جريف نوري على ضفاف النيل، حيث تشكّلت ملامح وعيه الأولى في بيئة ريفية مشبعة بالطين والماء والعمل الزراعي. هناك، لم تكن الأرض مجرد فضاء للعيش، بل كانت كيانًا حيًا يتداخل مع الإنسان في علاقة عضوية. هذا الارتباط المبكر ظلّ هو النواة الصلبة لتجربته، إذ تحوّلت القرية في شعره إلى مركز دلالي للعالم، وأصبح “التربال” رمزًا إنسانيًا يتجاوز حدوده المحلية ليعبّر عن جوهر الكرامة والعمل.
بعد حصوله على الشهادة السودانية، لم يتجه إلى المسار الأكاديمي التقليدي، بل انخرط في الحياة العملية، فعمل في هيئة الموانئ البحرية بين 1978م و1992م، متنقّلًا بين الخرطوم وبورتسودان. هذا الاحتكاك اليومي بالعمال والناس البسطاء لم يكن مجرد تجربة عابرة، بل أسهم في تعميق وعيه بطبقات المجتمع وتناقضاته، فصارت قصيدته مرآةً دقيقةً لحياة المهمّشين، تنقل تفاصيلهم الصغيرة بوصفها تعبيرًا عن بنية أكبر من القهر والصراع.
في هذا السياق، تتبدّى مواجهة حمِّيد مع الأنظمة لا في صورة خطاب سياسي مباشر، بل في بنية شعرية تكشف أثر السلطة في الحياة اليومية. لم يكن يرفع شعارات، بل كان يعرّي الواقع عبر تفاصيله؛ يجعل من الخبز، والعمل، والعلاقات الإنسانية، ساحاتٍ لصراع غير مرئي بين الإنسان البسيط وآلة السلطة. في قصائد مثل (عم عبد الرحيم) و(الجابرية) و(جوابات ست الدار)، تتجسد هذه المواجهة بوصفها تجربة إنسانية عميقة، حيث تتحول السلطة إلى قوة ضاغطة تحاصر الكائن في يومه العادي.
إن مشهد “عم عبد الرحيم” وهو يواجه القطار ليس مجرد لحظة سردية، بل هو استعارة مكثفة لصدام عالمين: عالم الإنسان المرتبط بالأرض والقيم، وعالم الحداثة القسرية التي تمضي بلا اكتراث. هنا، تتحول القصيدة إلى تأمل فلسفي في علاقة الفرد بالدولة، والإنسان بالآلة، والكرامة بالقوة العمياء.
تميّز حمِّيد باستخدام العامية السودانية بوصفها خيارًا جماليًا ومعرفيًا، لا مجرد أداة تبسيط. فقد استطاع أن يمنح اللغة اليومية كثافة دلالية عالية، بحيث أصبحت قادرة على حمل أسئلة الوجود والعدالة والحرية. في نصوصه، تتحول مفردات مثل (الطين) و(الساقية) و(النفاج) إلى مفاتيح لفهم العالم؛ رموز تنبض بالحياة وتعكس فلسفة كاملة في الارتباط بالأرض والانفتاح على الآخر.
كما شكّل تعاونه مع الفنان مصطفى سيد أحمد امتدادًا مهمًا لتجربته، حيث انتقلت قصائده من فضاء القراءة إلى فضاء السماع، واكتسبت حضورًا أوسع في الوجدان الشعبي. ولم يكن ذلك الانتشار مجرد نجاح فني، بل دليلًا على أن نصوصه كانت تحمل طاقة جماعية قادرة على العبور بين الشعر والغناء، بين الفرد والجماعة. وقد غنّى له أيضًا عدد من الفنانين مثل صديق أحمد، وميرغني النجار، ومحمد جبارة، ومحمد النصري، لتصبح قصيدته جزءًا من الذاكرة السمعية للسودانيين.
تتوزع تجربة حمِّيد على عدد من النصوص التي شكّلت معالم مشروعه، من أبرزها (جوابات ست الدار)، و(عم عبد الرحيم)، و(الجابرية)، وهي نصوص لا تكتفي بوصف الواقع، بل تعيد إنتاجه فنيًا، كاشفةً عن عمقه الإنساني ومفارقاته. ولم تُحصر تجربته في دواوين تقليدية بقدر ما انتشرت عبر الشفاهة والغناء، وهو ما يعكس طبيعتها الحيّة وارتباطها المباشر بالناس.
ظلّ حمِّيد وفيًا لجذوره، يحافظ على صلته بقريته وأهله رغم انتقاله إلى المدينة، وكأن هذا الارتباط كان شرطًا لاستمرار صوته الشعري. لم ينفصل عن بيئته، ولم يتعالَ على موضوعه، بل ظلّ جزءًا من النسيج الذي يكتب عنه، وهو ما منح شعره صدقًا نادرًا.
وفي 20 مارس 2012م، رحل إثر حادث مروري أثناء عودته من جريف نوري إلى الخرطوم، لكنه ترك خلفه إرثًا يتجاوز حدود الزمن. فقد ظل شعره حيًا، لا بوصفه نصوصًا تُقرأ فحسب، بل بوصفه تجربة إنسانية مستمرة، تعيد إنتاج نفسها في وجدان الناس.
في المحصلة، يبدو حمِّيد شاعرًا واجه الأنظمة بطريقته الخاصة؛ لم يصطدم بها مباشرة، بل تجاوزها عبر إعادة بناء الإنسان في نصه، بوصفه كائنًا حرًا، مرتبطًا بأرضه، وقادرًا على تحويل المعاناة إلى معنى. وهكذا لم يكن شعره مجرد تعبير عن الواقع، بل كان فعلًا مقاومًا يعيد تعريف الكرامة، ويمنح الصوت لمن لا صوت لهم، ويحوّل اليومي العابر إلى أثر خالد في الذاكرة الجماعية.

#ملف_الهدف_الثقافي #محمد_الحسن_سالم_حميد #الذكرى_14 #ندى_أوشي #شاعر_الغبش #جريف_نوري #هيئة_الموانئ #عم_عبد_الرحيم #مصطفى_سيد_أحمد #التربال_الرمز #أدب_المقاومة #العامية_المعرفية #سيرة_الوعي #مواجهة_الأنظمة #الكرامة_الإنسانية #فلسفة_الطين #الشعر_والحياة #ذاكرة_السودان #النفاج #حميد_الخالد

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.