ذكرى المجزرة العهد الذي لا يسقط بالتقادم

صحيفة الهدف

أمجد السيد

في مثل هذا اليوم، لا نستعيد مجرد ذكرى، بل نفتح جرحًا لم يلتئم، جرح وطنٍ غُدر به عند الفجر، وسُفكت دماؤه على قارعة الحلم. ذكرى فض اعتصام القيادة العامة ليست حدثًا عابرًا في سجل المآسي، بل هي لحظة فاصلة كشفت الوجه الحقيقي للغدر، وأعادت تعريف الصراع في السودان  بين شعبٍ أراد الحياة وقوى ظلامٍ لا تعيش إلا على أنقاضها في ذلك الصباح لم تُفضّ خيام بل أُعدمت إرادة شعب لم تُطلق رصاصات فحسب، بل أُعلنت ح.رب على فكرة الدولة المدنية ذاتها  كان الاعتصام تجسيدًا نقيًا لحلم السودانيين وطن حر، سلام عادل وعدالة لا تُساوم. فجاءت المجزرة لتقول إن هذا الحلم مهدد بقوى لا تؤمن بوطن، بل بسلطة تُنتزع بالقوة وتُحمى بالدم لكنهم أخطأوا التقدير ظنّ الق.تلة أن الرصاص يُنهي الحكايةوأن الدم يُرهب الأحياء، وأن الجثث تُدفن معها القضية. لكن ما لم يدركوه أن الشعوب التي تُكتب بالدم لا تُمحى وأن الشهداء حين يسقطون لا يغيبون، بل يتحولون إلى بوصلة أخلاقية وإلى عهدٍ لا يُنكث

إن ذكرى فض الاعتصام ليست فقط مناسبة للحزن، بل لحسم الموقف. هي لحظة مواجهة مع الحقيقة  لا انتقال بلا عدالة، ولا مدنية بلا تفكيك جذورالاستبداد ولا سلام مع من تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء وإننا اليوم، إذ نقف أمام هذه الذكرى لا نُجدد العزاء بل نُجدد العهد لا تراجع عن الدولة المدنية لا تراجع عن القصاص لا تراجع عن تفكيك منظومة الاستبداد أيًا كان اسمها أو لبوسها

أما الذين ارتكبوا هذه الجريمة، ومن خططوا لها، ومن وفروا لها الغطاء السياسي

والديني، ومن لا يزالون يحاولون طمس معالمها أو إعادة إنتاج أنفسهم في المشهد، فإن الزمن لن يحميهم. فالتاريخ لا يرحم، والذاكرة

الجمعية لا تُخدع والعدالة  وإن تأخرت  لا تموت  إن محاولات المتأسلمين إعادةتدوير خطابهم، والتسلل مجددًا إلى مفاصل الدولة، أو الاحتماء بالفوضى والح.رب، لن تنجح في غسل الدم. فهذه المجزرة ليست حادثة قابلة للنسيان، بل جريمة مكتملة الأركان، تسقط عنها كل دعاوى التقادم السياسي أو الأخلاقي.

لقد سقط القناع ولن يعود وإذا كان البعض يراهن على تعب الشعب أو على انكسار إرادته بفعل الح.رب والتشظي فإن هذا الرهان خاسر فالشعب الذي خرج أعزل ليواجه الرصاص لن يعجز عن استكمال معركته مهما طال الطريق إن معركتنا اليوم ليست فقط ضد من أطلقوا النار بل ضد الفكرة التي بررت ذلك فكرة احتكار الوطن وادعاء الوصاية عليه وتحويل الدين إلى أداة للهيمنة  والسياسة إلى ساحة للقتل المشروع

ولهذا، فإن الوفاء الحقيقي للشهداء لا يكون بالبكاء عليهم  بل بالسير على دربهم

باستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي.

بإقامة دولة القانون والمؤسسات.

بتحقيق العدالة الناجزة لكل الضحايا  دون انتقائية أو مساومة

وباقتلاع جذور

الاستبداد من أساسها لا الاكتفاء بتقليمها

إننا لا نطلب المستحيل بل نطالب بالحق

وفي هذه الذكرى نقولها واضحة لا لبس فيها

لن نساوم على دم الشهداء، ولن نقبل بأنصاف الحلول، ولن نُخدع بواجهات جديدة لوجوه قديمة

هذا عهدنا أن نمضي حتى النهاية أن لا نعود إلى الوراء أن ننتصر لوطنٍ يستحق الحياة

المجد للشهداء،

والشفاء للجرحى،

والحرية لشعبٍ لا ينكسر.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.