قلم : يوسف الغوث
في خواتيم شهر رمضان المعظم، نقف عند شاطئ هذا الشهر العظيم، لكي نودعه، لكننا
نحمل في حقائب الروح، دروسًا وقيم تعلمنا
كيف نكون أحرارًا، من استلاب المادة،
ونكتشف ذواتننا الداخلية، وكيف نعيش الزمن بكثافة روحانية، ونذوب في حضرة الحب الإلهي..
إننا الآن في مرحلة اختلاط الروح، بالمشاعر
وحزن الوداع، المنبعث من فرح الإنجاز بالصوم.
إن الصوم هو ترياق الاستلاب الذي تفرضه علينا الحاجات المادية، ففي لحظات الصوم نكتشف
إننا لسنا كائنات بيولوجية، تبحث عن إشباع
الذات، بل كائنات روحية، قادرة علي تجاوز
ضرورات الجسد…
فالصوم يعني تحرر الإنسان من أغلاله المادية
ليرى نور الحقيقة، إذن الصوم يعبر عن الاعتراض الوجودي، على ثقافة الاستهلاك ويجسد الأولويات الوجودبة، التي تعني
الروح أولًا ثم الجسد ثانيًا….
يقول بن عربي، الصوم لله وهو يجزي به،
والعبد الصائم، يحول الصوم إلى علاقة
وجودية مع الخالق، ويختبر قربه من ذات الله
بوصفه المصدر الأعلى للوجود…
عندما يخلو الصائم مع نفسه يصير شاهدًا علي نفسه ثم يرى مخاوفه، وبعدها تتكشف
حقيقته، وهذه الأشياء هي بداية التغيير الحقيقي.
إن شهر رمضان ليس مجرد ثلاثين يومًا،،
بل هو زمن مقدس، تتحول فيه كل اللحظات إلى كثافة روحية، وتنفتح فيه نوافذ على الأبدية،
فعندما يتجاوز الصائم الشعور بالجوع والعطش، يصبح الصوم حالة ذاتية لا مجرد
فعل، فيصوم الإنسان عن الكون ليفطر على الحق، وبعدها يبدأ الذوبان في الوجود
الإلهي،
إن الصائم الحقيقي، هو الذي يخرج من رمضان وقد تحول مركز ذاته من (الأنا) إلى مركز وجود الله، وهذا التحول يجعل الصائم، وعاء للقيم الإلهية، التي هي الثمرة الروحية للصوم
لعل الحكمة في رحيل شهر رمصان، هي أن نتعلم كيف نحمل روح رمضان معنا،
فالصوم الحقيقي، ليس مقصورًا على شهر
بل هو حالة وجودية تستمر معنا طوال العام، فالعيد لا يكون احتفالًا بانتهاء الصيام
بل احتفاءً بالتحول الذي حدث، وتأكيدًا على أن قلوبنا اصبحت أكثر رحمة وإيمان…
فالصوم هو صمت الحواس عن كل ما هو زايل، وصمت الحواس يعني تفتح البصيرة
اللهم تقبل صيامنا وأعف عنا وأرحمنا …

Leave a Reply