أمجد السيد
ليست بعض التواريخ مجرد أرقام في التقويم بل تتحول إلى علامات أخلاقية في تاريخ الشعوب. وذكرى 28 رمضان واحدة من تلك العلامات التي بقيت حاضرة في الوجدان السوداني لأنها ارتبطت بتضحية رجال دفعوا حياتهم ثمناً لموقفٍ وطني في لحظةٍ كان الوطن فيها يختبر معنى الوفاء للعهد فبعد أقل من عام على انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، الذي أنهى تجربة التعددية الديمقراطية وأدخل البلاد في عهد الحكم الشمولي، بدأت داخل السودان وفي مؤسسات الدولة نفسها بوادر مقاومة مبكرة لذلك التحول الخطير. ولم يكن غريباً أن تكون القوات المسلحة، بما تمثله من مؤسسة قومية جزءاً من هذا الحراك الوطني الذي رفض أن يتحول الجيش إلى أداة لحكمٍ حزبي أو مشروعٍ أيديولوجي ضيق.
في هذا السياق جاءت حركة 28 رمضان 1990. وقد درج البعض على التعامل معها بوصفها مجرد محاولة انقلابية أخرى في سلسلة الانقلابات التي عرفها السودان. غير أن قراءة أكثر عمقاً لطبيعة تلك اللحظة تكشف أن الأمر كان أبعد من ذلك بكثير.
فما جرى في تلك الليلة لم يكن سباقاً جديداً على السلطة داخل المؤسسة العسكرية، بل كان تعبيراً عن رفضٍ مبكر لاختطاف الدولة وإقصاء الإرادة الشعبية. لقد تحرك ضباط وجنود رأوا أن واجبهم المهني والوطني يفرض عليهم الدفاع عن الدولة الدستورية التي أطاح بها انقلاب عسكري، وأن الجيش لا ينبغي أن يتحول إلى غطاءٍ لسلطة استولت على الحكم بالقوة من هنا اكتسبت تلك الحركة معناها الرمزي في التاريخ السوداني لم تكن محاولة لوراثة السلطة، بل محاولة لاستعادة ميزانها المختل، وإعادة الدولة إلى مسارها الطبيعي حيث تكون السلطة للشعب عبر المؤسسات المدنية المنتخبة.
لكن السلطة التي قامت على منطق القوة لم تكن مستعدة لأن تسمع مثل هذا الصوت من داخل المؤسسة العسكرية نفسها فجاء الرد قاسياً وسريعاً فقد انتهت الأحداث بإعدام ثمانيةٍ وعشرين ضابطاً من خيرة ضباط الجيش السوداني في واحدة من أكثر الوقائع إيلاماً في تاريخ البلاد الحديث لم يكن الألم في الأحكام وحدها بل في الطريقة التي نُفذت بها السرعة، والسرية وحرمان الأسر من وداع أبنائها أو حتى معرفة أماكن دفنهم لسنوات طويلة لقد أرادت السلطة آنذاك أن تجعل من تلك اللحظة رسالة ردع لكل من يفكر في الوقوف في وجهها وأن تُغلق الملف بالصمت لكن التاريخ لا يُغلق بالصمت
فمع مرور السنوات تحولت ذكرى شهداء 28 رمضان إلى رمزٍ لمعنى مختلف للبطولة بطولة الانحياز للوطن في مواجهة الاستبداد حتى عندما يكون الثمن هو الحياة نفسها وبقيت تلك القصة حاضرة في الذاكرة الوطنية باعتبارها واحدة من الشواهد المبكرة على أن مقاومة الحكم الشمولي لم تكن مجرد فعلٍ سياسي مدني بل كانت أيضاً موقفاً أخلاقياً داخل مؤسسات الدولة نفسهاواليوم والسودان يمر بواحدة من أصعب لحظاته التاريخية تكتسب هذه الذكرى معنى إضافياً. فهي تذكّر السودانيين بأن معركة بناء الدولة الديمقراطية لم تبدأ اليوم وأن الطريق نحوها كان دائماً محفوفاً بالتضحيات
إن الوفاء الحقيقي لذكرى أولئك الضباط لا يقتصر على استحضار أسمائهم في المناسبات، بل يتمثل في الإصرار على بناء الدولة التي حلموا بها دولة القانون، ودولة المؤسسات، والدولة التي يكون فيها الجيش حارساً للوطن لا حاكماً له رحم الله شهداء 28 رمضان، الذين كتبوا بدمائهم صفحة مؤلمة لكنها مضيئة في تاريخ السودان، وتركوا
للأجيال درساً واضحاً أن الانحياز للوطن قد يكون مكلفاً لكن التاريخ في النهاية لا يخلّد إلا الذين وقفوا في صفه.

Leave a Reply