قلم : ماجد الغوث
جدلية الاستلاب العسكري وانبعاث الجبهة المدنية
لا يمكن قراءة المشهد السوداني الراهن بمعزل عن “الفضاءات الزمنية” التي شكلت كروكي الدولة الوطنية. إن ما نعيشه اليوم من تحولات دموية منذ انقلاب 2021 وصولاً إلى ح.رب 2023، ليس إلا حلقة جديدة من صراع قديم حول “هوية السلطة” وفضاء الفعل السياسي. وإذا أردنا استشراف أفق عام 2026، وجب علينا العودة إلى الجذور في 1918، لنفهم كيف تُستعاد الأوطان حين تُختطف.
التناظر التاريخي: من الأدب إلى السياسة
في الفضاء العالمي لعام 1918، وبينما كان العالم يلملم جراح الح.رب العالمية الأولى، كان السودان يرزح تحت فضاء “الحكم الثنائي”. هناك، وُلدت الحركة الوطنية في ثوبها “الأدبي”، كمحاولة ذكية لاختراق جدار القمع الاستعماري بالوعي قبل الرصاص. هذا الفضاء نضج وتطور عبر محطة 1924 “الخشنة” التي غيرت آليات العمل، وصولاً إلى فضاء 1938 الذي مثله “مؤتمر الخريجين” بأهدافه الشاملة (سياسياً، اقتصادياً، واجتماعياً).
كان ذلك العصر هو عصر “التأسيس الوطني ” الذي بلغ ذروته في عام 1947 عبر مؤتمر جوبا، وتلاقي وفد الحركة الوطنية مع قيادات حزب البعث العربي الاشتراكي، في لحظة تاريخية فارقة أصّلت لمفهوم الجبهة القومية الموحدة.
فضاء 2019-2026: انكسار الثورة وبروز “المشاريع الإقصائية”
بالمقابل، نجد أن فضاء عام 2019 (ثورة ديسمبر) قد تشكل في ظل ظروف عالمية مغايرة؛ حيث هيمنة القطبية الواحدة وانهيار المعسكر الاشتراكي، بينما كان الداخلي السوداني يغلي تحت وطأة نظام “الحركة الإسلامية” الذي جرف الحياة السياسية.
إن انقلاب 2021 لم يكن مجرد تحرك عسكري، بل كان محاولة لـ “إعدام الفضاء المدني” لصالح سلطة الفرد. ومن رحم هذا الانقلاب، ولدت ح.رب 15 أبريل 2023، نتيجة لتقاطع مصالح طرفين مسلحين، تبنى كل منهما مشروعاً إقصائياً للآخر، وارتهنا لمحاور خارجية (الإمارات ومصر)، مما حول الفضاء الوطني إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية بدم سوداني.
“صحيفة الهدف” واستعادة أدوات المواجهة الثقافية
وسط هذا الركام، نجد أن حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل) قد اختار العودة إلى الجذور النضالية المجربة (إرث 1918 و1938). لقد تحولت أدوات العمل السياسي لديه من الصدام المباشر مع آلة الح.رب إلى “المواجهة الثقافية والبرامجية”.
من خلال صحيفة “الهدف” بملفاتها المتخصصة (الثقافي، الاقتصادي، الرياضي، والاجتماعي)، يتم الآن إعادة إنتاج فضاء 1938. إنها محاولة واعية لإشراك “القوى الحية” من لجان مقاومة ونقابات وشباب ونساء في صياغة مستقبل الدولة عبر أربعة محاور استراتيجية:
1. الجبهة الشعبية الوطنية للديمقراطية والتغيير: كوعاء جامع لرفض عسكرة السياسة.
2. الهوية الوطنية والقومية: لاستعادة روح عام 1947 في مواجهة التفتت القبلي.
3. الكتلة الوطنية الموحدة: لمنع ارتهان القرار الوطني للخارج.
4. الكتلة القومية: لربط نضال السودان بعمقه العربي والإفريقي.
نحو 2026: الطريق الثالث
إن الفضاء السياسي الذي نناضل فيه الآن يفرض علينا التمسك بـ “التوجه المدني المجرب”. إن البرنامج الذي تطرحه الكتلة الوطنية، وفي مقدمتها حزب البعث الأصل، هو البرنامج الوحيد الذي يملك “ذاكرة تاريخية” قادرة على مواجهة “جنون الحرب”.
إن معركتنا نحو عام 2026 ليست معركة عسكرية، بل هي معركة استعادة الفضاء العام من تغول السلاح، وتحويله إلى فضاء للبناء والإنتاج والحرية، تماماً كما فعل الرعيل الأول حين حوّلوا “الجمعيات الأدبية” في 1918 إلى استقلال وطني ناجز في 1956.

Leave a Reply