أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
في منطق التاريخ السياسي لا تنتهي الح.روب عندما يسكت السلاح فقط، بل تبدأ بعدها مرحلة أخطر، هي مرحلة إعادة توزيع النفوذ. فالقوة التي تخرج من الح.رب وهي أكثر تماسكًا أو أكثر قدرة على الفعل لا تكتفي بما حققته من مكاسب مباشرة، بل تسعى بطبيعتها إلى توسيع مجال تأثيرها، لأن منطق القوة في العلاقات الدولية لا يعرف حالة السكون. إن القوة التي لا تتمدد تتراجع، والقوة التي تتوقف عن الحركة تفقد موقعها في ميزان التاريخ.
وهذه الحقيقة لم تغب عن وعي القوى الوطنية والقومية العربية، إذ أكد بيان القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي الصادر في 10 مارس 2026 أن (الرابح من الح.رب الدائرة حالياً لن يرتد إلى داخله بل سيندفع للتوسع في الفضاء العربي). هذا التحذير المبكر لم يأتِ من فراغ، بل هو قراءة عميقة لطبيعة الصراع الدولي وقوانين تمدد النفوذ. ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه بعد كل ح.رب ليس من انتصر في المعركة فقط، بل: إلى أين سيمتد نفوذ المنتصر؟ وفي الجغرافيا السياسية للعالم المعاصر يبدو الفضاء العربي أحد أكثر المجالات قابلية لاستقبال هذا التمدد.
لفهم هذه الظاهرة يجب أولًا العودة إلى طبيعة الصراع الدولي ذاته. فالعلاقات بين الدول الكبرى لم تكن يومًا علاقات ثابتة تقوم على التوازن الدائم، بل هي علاقات تنافس مستمر على الموارد والمواقع الاستراتيجية والأسواق.
وفي هذا السياق لا تنظر القوى الكبرى إلى العالم بوصفه مجموعة من الدول المتساوية، بل بوصفه شبكة من المجالات الاستراتيجية التي ينبغي تأمينها أو التأثير فيها. وكلما زادت أهمية منطقة معينة في معادلة الطاقة أو التجارة أو الجغرافيا العسكرية، ازدادت قيمتها في حسابات القوى المتنافسة. وهنا يظهر مفهوم المجال الحيوي بوصفه أحد المفاهيم المركزية في الفكر الجيوسياسي. فالدول الكبرى لا تكتفي بحدودها السياسية الرسمية، بل تسعى دائمًا إلى توسيع مجالها الحيوي، أي ذلك الفضاء الجغرافي الذي يؤثر في أمنها القومي أو في مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
وقد أخذ هذا المفهوم أشكالًا متعددة عبر التاريخ: فالإمبراطوريات القديمة وسعت مجالها الحيوي عبر السيطرة المباشرة، بينما تعتمد القوى الحديثة غالبًا على أدوات أكثر تعقيدًا، مثل التحالفات العسكرية، والهيمنة الاقتصادية، والقواعد العسكرية، وشبكات النفوذ السياسي.
غير أن النفوذ في العصر الراهن يتخذ أشكالاً متعددة ومستويات مختلفة. فهناك النفوذ الدولي الذي تمارسه القوى العظمى (كالولايات المتحدة) عبر الانتشار العسكري والقواعد والعقوبات والتحالفات الاستراتيجية. وهناك النفوذ الإقليمي الذي تمارسه قوى مثل (إيران وتركيا وإسرائيل)، عبر أدوات تتراوح بين الدعم المباشر للوكلاء والتغلغل الاقتصادي والتأثير في القرار السياسي الداخلي. وتتداخل هذه المستويات في الفضاء العربي بشكل معقد، حيث قد تتصادم أو تتفق المصالح الدولية والإقليمية، مما يجعل المنطقة ساحة لصراعات متعددة الأبعاد. لكن الجوهر يبقى واحدًا: القوة تبحث دائمًا عن مجال تتحرك فيه.
وعندما ننظر إلى الخريطة الجيوسياسية للعالم المعاصر نجد أن الفضاء العربي يشكل أحد أكثر المجالات الحيوية حساسية في النظام الدولي. فهذه المنطقة لا تجمع فقط بين أكبر احتياطيات الطاقة في العالم، بل تقع أيضًا عند تقاطع أهم الممرات البحرية التي تربط الشرق بالغرب.
فمن الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن مضيق هرمز إلى باب المندب وقناة السويس، تمتد شبكة من العقد الجغرافية التي تشكل شرايين الاقتصاد العالمي. ولهذا فإن السيطرة أو التأثير في هذه المنطقة يمنح أي قوة دولية قدرة كبيرة على التأثير في حركة التجارة والطاقة وفي التوازنات السياسية العالمية. لكن الجغرافيا وحدها لا تفسر كل شيء.
فالسبب الأعمق الذي يجعل الفضاء العربي مجالًا مفتوحًا لتمدد النفوذ هو ما يمكن تسميته الفراغ الاستراتيجي العربي. فعندما يغيب المشروع العربي القادر على تنظيم القوة الجماعية للأمة، تتحول الجغرافيا العربية إلى فضاء مفتوح تتنافس فيه المشاريع الخارجية.
وقد أشار بيان القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي إلى هذه الحقيقة بوضوح عندما نبّه إلى أن ما يجري في المنطقة العربية ليس مجرد صراعات متفرقة بين قوى إقليمية ودولية، بل هو نتيجة مباشرة لغياب المشروع العربي القادر على تنظيم القوة الاستراتيجية للأمة. فالبيان يلفت النظر إلى أن الفراغ الاستراتيجي العربي لم يعد مجرد حالة سياسية عابرة، بل أصبح عاملاً بنيويًا يسمح للقوى الدولية والإقليمية بتحويل الأرض العربية إلى مجال مفتوح لإعادة توزيع النفوذ ومسرح دائم لصراعات الآخرين. ومن هنا فإن معالجة هذا الفراغ لا يمكن أن تتم عبر سياسات قطرية متفرقة، بل عبر استعادة الرؤية القومية التي تعيد للأمة قدرتها على تنظيم مواردها وموقعها الجيوسياسي في معادلة القوة العالمية
في مثل هذه الحالة لا تحتاج القوى الدولية إلى احتلال مباشر أو سيطرة كاملة؛ يكفي أن تجد نقاط ارتكاز سياسية أو عسكرية أو اقتصادية تسمح لها بتثبيت نفوذها داخل هذا الفضاء. ومع مرور الوقت يتحول هذا النفوذ إلى عنصر دائم في معادلة القوة الإقليمية.
ولا يقتصر تمدد النفوذ على الأدوات العسكرية والسياسية التقليدية، بل يمتد ليشمل ما أسماه جوزيف ناي (القوة الناعمة (أي القدرة على جذب الآخرين عبر الثقافة والإعلام والتعليم والمساعدات الاقتصادية. فالوجود الثقافي العربي المتراجع، وضعف الإنتاج المعرفي، وهشاشة البنى الاقتصادية، كلها عوامل تجعل الفضاء العربي أكثر قابلية لاختراق القوى الناعمة الخارجية، التي تعيد تشكيل الوعي والانتماء والتوجهات السياسية دون حاجة إلى دبابة واحدة. وهكذا تتكاثر القواعد العسكرية، وتتوسع التحالفات، وتتشابك المصالح الاقتصادية، بينما يظل المجال العربي نفسه ساحة تتقاطع فيها المشاريع المختلفة.
إن أخطر ما في هذا الوضع أن أي قوة تخرج رابحة من صراع إقليمي أو دولي لن تكتفي بما حققته من نفوذ. فالتاريخ يعلمنا أن النفوذ يشبه الموجة؛ إذا وجدت فراغًا أمامها فإنها تستمر في التقدم. ولهذا فإن كل تحول في ميزان القوة الدولي أو الإقليمي يفتح الباب أمام موجة جديدة من إعادة توزيع النفوذ في المنطقة العربية. فالقوى الكبرى والإقليمية تنظر إلى هذه المنطقة بوصفها مساحة حيوية يجب تأمينها أو التأثير فيها، خاصة في لحظات التحول الكبرى في النظام الدولي.
والتاريخ العسكري الحديث يزخر بأمثلة على هذه الظاهرة. فبعد (حرب الخليج )1991، عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الخليج العربي، وحولت قواعد مؤقتة إلى قواعد دائمة في عدة دول. وبعد الغزو الأمريكي للعراق 2003، توسع النفوذ الإيراني ليملأ الفراغ الناتج عن انهيار الدولة العراقية. وبعد ح.رب أوكرانيا 2022-2024، سعت روسيا إلى تعزيز وجودها في شرق المتوسط وإفريقيا. كل هذه الأمثلة تؤكد أن القوة المنتصرة لا تكتفي بمكاسب الح.رب المباشرة، بل تسعى لتثبيت نفوذها في المجالات الحيوية المحيطة.
لكن هذا الواقع لا يعني أن الفضاء العربي محكوم إلى الأبد بأن يكون مجرد ساحة لصراعات الآخرين. فالجغرافيا التي تمنح الآخرين أسباب الاهتمام بالمنطقة يمكن أن تتحول أيضًا إلى مصدر قوة للأمة العربية نفسها إذا امتلكت مشروعًا سياسيًا قادرًا على توظيف هذه الإمكانات.
إن المشروع العربي ليس مجرد حلم أيديولوجي أو شعار عاطفي، بل ضرورة تاريخية تفرضها طبيعة الموقع الجغرافي والثروات الاستراتيجية التي تمتلكها الأمة العربية. فبدون إطار سياسي واقتصادي وأمني قادر على توحيد هذه الموارد سيبقى الفضاء العربي مفتوحًا أمام تمدد النفوذ الخارجي. أما إذا تمكن العرب من إعادة بناء مشروعهم القومي، فإن الجغرافيا التي كانت سببًا في التدخلات الخارجية يمكن أن تتحول إلى أساس لقوة إقليمية فاعلة.
وهنا تبرز خطورة ما يمكن تسميته بـ (نظرية الدومينو) في تمدد النفوذ. فسقوط منطقة تحت هيمنة قوة معينة لا يقتصر عليها وحدها، بل يخلق ظروفاً مواتية لتمدد النفوذ إلى المناطق المجاورة، إما عبر الضغط المباشر أو عبر جذب النخب المحلية أو عبر خلق وقائع اقتصادية وأمنية جديدة. وهذا ما يجعل الح.روب في أي نقطة من الفضاء العربي تهدد التوازنات في المنطقة بأكملها. ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه العرب اليوم ليس فقط: من سيربح الح.روب الدائرة في المنطقة؟ بل السؤال الأعمق هو: هل سيبقى الفضاء العربي مجالًا مفتوحًا لتمدد نفوذ الآخرين، أم أنه سيشهد في يوم ما عودة المشروع العربي القادر على تحويل هذه الجغرافيا من ساحة صراع إلى فضاء قوة؟
ففي النهاية، التاريخ لا يرحم الفراغ. والأمم التي لا تملأ فضاءها بنفسها، يملؤه الآخرون.
يتبع ،،،،، لطفاً،،،،،

Leave a Reply