صمودٌ في رحم المعاناة.. المرأة السودانية تقاوم الحرب وتصنع الأمل

صحيفة الهدف

شيماء تاج السر

#مختارات_الهدف

لا شك أن الحرب المشتعلة في السودان قد خلفت وراءها واقعاً إنسانياً مأساوياً وكانت المرأة السودانية في قلب هذا المشهد الموجع. فمنذ اليوم الأول لهذه الحرب المدمرة وجدت النساء أنفسهن في مواجهة مباشرة مع شتى صنوف الانتهاكات حيث تحولت حياتهن إلى سلسلة من المعاناة اليومية التي تتراوح بين القتل والعنف القائم على النوع الاجتماعي، والاعتقالات والاختفاء القسري وسرقة ونهب الممتلكات وصولاً إلى التهجير القسري والسخرة والاتجار بالبشر  هذه الجرائم لم تكن مجرد أرقام في تقارير منظمات حقوقية بل كانت واقعاً معاشاً لأمهات وأخوات فقدن الأمن والأمان في لحظة

مع تصاعد وتيرة العنف  تزايدت معدلات النزوح واللجوء بشكل غير مسبوق. فرّت آلاف الأسر إلى مناطق أكثر أمناً داخل السودان أو عبرت الحدود إلى دول الجوار آملة في العثور على ملاذ آمن وحماية من ويلات الحرب  لكن المفارقة المأساوية كانت أن الحماية الإنسانية المأمولة تراجعت بشكل كبير  سواء في مواقع النزوح الداخلية أو في دول اللجوء حيث تعاني النساء النازحات واللاجئات من أوضاع إنسانية صعبة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الكريمة

لقد كانت الحرب سبباً مباشراً في انهيار النسيج الاقتصادي للأسر السودانية  وكانت النساء أكثر المتضررات من هذا الانهيار  فمع تدمير المؤسسات و الأسواق وتعطل حركة التجارة فقدت معظم النساء مصادرهن  للدخل  والتي كن يعتمدن عليها لإعالة أسرهن من تاجرة صغيرة في السوق إلى حرفية ماهرة في بيتها  إلى موظفة في مؤسسة حكومية أو خاصة  وجدت المرأة نفسها عاطلة عن العمل  تعيش تحت خط الفقر  تكافح يومياً لتأمين لقمة العيش لأطفالها في ظل غياب الدعم والرعاية

ورغم هذا الكم الهائل من المعاناة والصدمات أظهرت المرأة السودانية صموداً أسطورياً يستحق الإشادة والتخليد لم تنكسر أمام وحشية الحرب ولم تستسلم لليأس بل ظلت ولا تزال تقاوم بكل ما أوتيت من قوة من أجل الحياة الكريمة هي التي تدير شؤون أسرتها في مخيمات النزوح هي التي تبادر لإنشاء مشاريع صغيرة من لا شيء لإعالة أطفالها هي التي تحتضن الأيتام وهي التي تنادي بالحق وتطالب بالسلام إنها مصدر إلهام حقيقي في زمن انهارت فيه قيم كثيرة

من هنا  يصبح من الواضح أن معالجة معاناة المرأة السودانية ليست مجرد قضية إنسانية عابرة  بل هي مرتبطة بشكل مباشر وجوهري بإنهاء الحرب في السودان. فالسلام هو الضامن الوحيد لاستعادة الحقوق وعودة الحياة إلى طبيعتها لكن السلام وحده لا يكفي فلا بد من إشراك النساء الفاعل والحقيقي في أي مسار إنساني أو سياسي مستقبلي يجب أن يكنّ جزءاً من صنع القرار خاصة فيما يتعلق بدعم النازحات وتصميم برامج الحماية التي تراعي احتياجاتهن الأساسية وتأخذ بعين الاعتبار ما تعرضن له من انتهاكات جسيمة

كما أن توفير الحماية اللازمة لا يقتصر فقط على المأوى والغذاء بل يمتد ليشمل خدمات الصحة النفسية والدعم القانوني وسبل العيش المستدامة التي تمكن المرأة من استعادة استقلاليتها الاقتصادية والأهم من ذلك كله هو تحقيق العدالة للنساء اللواتي تعرضن للانتهاكات والتحقيق في الجرائم المرتكبة بحقهن ومحاسبة المسؤولين عنها  إن تحقيق العدالة للنساء هو خطوة أساسية نحو تحقيق العدالة للجميع  وبناء مجتمع قوي ومتماسك قادر على تجاوز آثار هذه الحرب المروعة

يبقى الجدير بالذكر أن صمود المرأة السودانية رغم كل ما تعرضت له هو قصة إنسانية عظيمة تستحق أن تروى للأجيال القادمة  إنهن كن ولا يزلن مصدر إلهام لنا جميعاً  يذكرننا بأن الحياة أقوى من الموت وأن الأمل يمكن أن يولد من رحم المعاناة إن استثمار المجتمع الدولي والحكومة السودانية المستقبلية في دعم وتمكين هؤلاء النساء هو استثمار في مستقبل سودان يسع الجميع، سودان السلام والديمقراطية والعدالة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.