مجدي علي
لم ولن يمرّ إعلانُ الإعلامية سلمى سيّد توقّفها عن العمل التلفزيوني بعد أكثر من عقدين من الحضور المهني خبرًا عابرًا. فحين تتخذ تجربةٌ راسخة مثل سلمى هذا القرار، يتحوّل الأمر إلى لحظةِ تأمّلٍ في حال المهنة نفسها، وفي المسافة التي قطعها الإعلام السوداني بين زمنين، زمنٍ كان فيه التلفزيون منصّةً للمعرفة وصون الذاكرة، وزمنٍ باتت فيه الشاشة، في كثير من الأحيان، ساحةً للاستقطاب والهرجلة وخطابات التجييش والعداء..
سلمى سيّد، التي ما تزال حتى اليوم تقدّم برنامج (نغم سوداني)، لم تكن مجرّد مذيعة عادية على الشاشة. فقد ارتبط اسمها، على مدى سنواتٍ طويلة، بمحاولاتٍ جادّة وناجحة لحفظ الذاكرة الغنائية السودانية واستعادة أصواتها وتجاربها وسياقاتها الثقافية. ويكفي الرجوع إلى أرشيف برامج مثل (فن زمان) وغيرها من الحوارات الفنية التي استضافت فيها شعراء وموسيقيين وفنانين، لنرى كيف تحوّلت تلك اللقاءات إلى وثائق ثقافية وإنسانية تتجاوز الترفيه العابر إلى توثيق حكايات الفن.. كان حضورها مختلفًا لأنها تعاملت مع الشاشة بوصفها عملًا جادًا، لا مكان للاستهلاك العابر.
هذه ليست شهادةَ مجاملة، بل قراءةٌ لما تمثّله التجربة في لحظةٍ يعاني فيها الإعلام السوداني قدرًا كبيرًا من الارتباك. فالساحة اليوم تشهد فوضى مهنية اختلطت فيها المعايير، وتراجعت فيها الخبرة، وتداخلت الاعتبارات بالمهنية حتى أصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين الإعلام بوصفه رسالة، والإعلام بوصفه مظهرًا شكليًا. ومن تابع تجربة سلمى أو عمل معها يدرك مقدار العناية التي توليها للإعداد والبحث والتفاصيل، وهي عناصر أصبحت نادرة في زمن السرعة والسطحية.
المفارقة أن الساحة ليست فقيرة في الوجوه، لكنها فقيرة في التجارب التي تمتلك معرفةً حقيقية بما تقدّمه. والمشكلة ليست في كثرة المذيعات، بل في ندرة المذيعات اللواتي يحملن خلفية ثقافية قادرة على تحويل البرنامج إلى مساحة حوار ومعرفة. ولهذا فإن خروج تجربة مثل تجربة سلمى سيّد من المشهد لا يبدو مجرّد قرار شخصي، بل خسارةً رمزية لمستوى مهني أصبح نادر الحضور.
صحيح أن الإعلام تغيّر كثيرًا واتخذ أشكالًا مختلفة، غير أن هذا التحوّل لا يلغي قيمة الخبرة؛ بل يجعلها أكثر ضرورة. ففي زمن الفوضى تصبح الخبرة بوصلةً تذكّر المهنة بأصولها الأولى. ومن هنا يطرح قرار الاعتزال سؤالًا مشروعًا: هل هذا هو الوقت المناسب لانسحاب التجارب العميقة من الساحة، أم أن اللحظة الراهنة تحتاج إلى حضورها أكثر من أي وقت مضى؟
لكل هذا تبدو الدعوة هنا صادقة: أعيدي النظر يا سلمى. فحضورك لم يكن مجرّد وظيفة تُمارس ثم تُترك، بل تجربة ساهمت في حفظ جزء مهم من الذاكرة الفنية والثقافية في السودان.
بعض الغياب لا يترك فراغًا في الظهور فقط، بل يترك فراغًا في المعنى ذاته، وسلمى سيّد ما تزال تملك كل عناصر الدهشة التي ميّزت حضورها.. شكلًا ومضمونًا.

Leave a Reply