قلم:
ماجد الغوث
مقدمة
تتجاوز “المشنقة” كونها أداة إعدام جسدي، لتصبح في الخطاب النضالي العربي والإفريقي رمزاً للصراع الأخير بين إرادة الحياة الحرة وإرادة القهر والاستعمار. إنها اللحظة التي يتحول فيها الجسد الفاني إلى خلود في الذاكرة الجمعية. في السودان، كما في ليبيا والعراق، شكلت لحظة “الموت على الحبل” أو “الاستشهاد في سبيل العقيدة” محطة فارقة في تاريخ النضال. سيرة عمر المختار في ليبيا، وصدام حسين في العراق، وعبد القادر ود حبوبة في السودان، تقدم نماذج متقاطعة لهذه الفلسفة، حيث تلتقي الرجولة بالتضحية، ويتشكل التاريخ من عمق المعاناة.
يمثل عمر المختار (1858-1931) النموذج الأكثر كلاسيكية لـ “فلسفة المشنقة” في العالم العربي. فقبل أن يختم حياته على الحبل، كان المختار قد ختمها بالجهاد. هو الشيخ الزاهد، مُعلم القرآن، الذي تحول إلى قائد عسكري في الثالثة والخمسين من عمره، ليقارع أقوى آلة حربية استعمارية في زمانها (إيطاليا الفاشية) لأكثر من عشرين عاماً .
لم يكن إعدامه في 16 سبتمبر 1931 نهاية للقصة، بل كان بداية الأسطورة. المقولة المنسوبة إليه: “نحن لا نستسلم… ننتصر أو نموت، وهذه ليست النهاية… أما أنا فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي”، تجسد جوهر فلسفة المشنقة . هنا، تتحول المشنقة من أداة للقمع إلى منصة للخلود. الرجولة في نموذج المختار هي الصمود حتى الرمق الأخير، والإيمان بأن الدم يهزم السيف. إنها رجولة تتغذى على اليقين الديني والارتباط العميق بالأرض، وهي ذات السمات التي نجدها في النموذج السوداني الأصيل…
إذا كان عمر المختار يمثل المقاومة الإسلامية الصوفية، فإن صدام حسين (1937-2006) يمثل نموذج القومي البعثي الذي أعاد إنتاج نفس اللحظة. وهوالذي بدأ نضاله مبكراً ومنذ نعومة أظافره، ومن ثم تحول ولعقود رمزاً للقوة العربية الصلبة في مواجهة المشاريع الإقليمية والدولية والاستعمارية.
إن اللحظة الفلسفية الأكثر تعقيداً في حياة صدام حسين كانت لحظة إعدامه فجر عيد الأضحى عام 2006. هنا، يقدم الشهيد صدام نموذجاً مختلفاً للرجولة: رجولة المواجهة الصامدة في وجه قوة عظمى. فهو لم يظهر تردداً أو خوفاً، وتشير الروايات إلى أنه رفض وضع غطاء على وجهه قبل الإعدام، وردد الشهادتين، ليخرج من الدنيا شهيدًا كما دخلها مسلماً . هذا المشهد، الذي تناقلته وسائل الإعلام، حول صدام ظل عالقًا في ذاكرة الجميع حيث تحول من رئيس وطني مناضل،،، إلى “شهيد من أجل الأمة والوطن والمبادئ”. بالنسبة للكثيرين في السودان والعالم العربي، كانت هذه اللحظة تتويجاً لخطاب المقاومة والرجولة الذي جسده صدام طوال حياته، خاصة في دفاعه عن “الثغور العربية” في مواجهة المد الصفوي كما كان يصف ذلك .
بالنسبة للننموذج السوداني الخالص، فنجد أن الشهيد عبد القادر ود حبوبة، الذي يمثل حلقة الوصل بين المق.اتل الصوفي (كعمر المختار) والمقاوم العنيد (كصدام حسين). فود حبوبة هو نموذج للفارس السوداني الذي جمع بين الفروسية التقليدية والوعي الثوري الحديث نسبياً.
وُلد عبد القادر ود حبوبة في حوالي أربعينيات القرن التاسع عشر وسط أسرة عرفت بالفروسية والقوة. نشأ في كنف أسرة كريمة، وحفظ القرآن، وكان معروفاً بحسن الخط وحفظه لراتب الإمام المهدي، وهي صفات جعلت منه شخصية روحية قبل أن تكون عسكرية.
كان ود حبوبة من أوائل الذين بايعوا الإمام المهدي، وشارك في معظم معارك الثورة المهدية (عدا كرري) بضراوة. الملفت في سيرته أنه شهد 25 معركة دون أن يصاب بخدش، مما أكسبه هالة من القداسة والرجولة التي لا تُقهر . لكن دوره لم يقتصر على الق.تال، بل كان شاعراً ومادحاً، استخدم قلمه وصوته لنشر دعوة المهدية وتثبيت الناس على الثورة، مما يجعله مثقفاً عضوياً بالمعنى الشعبي للنضال،،
بعد هزيمة معركة كرري (1898) ودخول الإنجليز، لم يستسلم ود حبوبة. عاد إلى منطقته (الحلاوين – المحيريبة) وأصبح رمزاً للمقاومة السلمية والروحية. لم يهادن المستعمر، بل جاهر بعدائه لهم، وظل يعقد المجالس لقراءة الراتب والمدائح النبوية، محافظاً على الهوية الإسلامية والسودانية في وجه المحتل . هذا هو جوهر الرجولة في نموذجه: عدم التفريط في المبادئ حتى في لحظة الضعف.
أعلن آراءه الجريئة، كمعارضته لنهب الأراضي على يد المستعمرين، وظل رمزاً للعزة. ورغم أن المستعمر حاول دهاءه، إلا أن شخصيته القوية جعلته محط أنظار السلطات التي حاولت مراقبته والوشاية به.
تجتمع هذه النماذج الثلاثة في نقاط جوهرية تشكل “فلسفة الرجولة النضالية” والسعي للخلود، والمجد وتقديم أرواحهم
رخيصة من أجل الثبات على المبادىء والقيم والرجولة، فهم تجسيد لمقولة أن العلاقة بين الرجولة والمبادىء حالة عضوية وجدلية ولا يمكن فصمها.
خاتمة
“المشنقة” في السودان، كما في ليبيا والعراق، ليست مجرد نهاية مأساوية، بل هي بداية الحكاية الكبرى للشعب. عمر المختار علّم الأجيال أن الشيخوخة لا تمنع الجهاد. صدام حسين علّم أن الصمود أمام الإمبراطورية يمكن أن يخلق أسطورة. وود حبوبة، النموذج السوداني الأصيل، علّم أن الرجولة هي أن تبقى متمسكاً بهويتك ودينك وأرضك، حتى لو كنت وحدك، تُحيي الليل بقراءة القرآن والمديح، وتُحيي النهار بمقاومة الظلم. في النهاية، الرجولة التي تتحدث عنها هي القدرة على تحويل لحظة الهزيمة الجسدية إلى نصر أبدي في ضمير الأمة.

Leave a Reply