هل يهدّد (الميتافيرس) روح المسرح أم يمنحه حياة جديدة؟

صحيفة الهدف

ندى أوشي

منذ نشأته، ارتبط المسرح بفكرة الحضور: جسدٌ يقف على خشبة، وجمهورٌ يجلس في مواجهة هذا الجسد، وبينهما لحظة حيّة لا تتكرّر. تلك اللحظة هي سرّ المسرح وسحره. لكن العالم يتغير، ومعه تتغير الفنون. اليوم، يفرض (الميتافيرس) نفسه كمساحة جديدة للتجربة الإنسانية، فهل يصبح المسرح جزءًا من هذا العالم الافتراضي؟ وهل يبقى مسرحًا إذا غابت الخشبة؟
التحوّل الرقمي لم يعد احتمالًا بعيدًا. التقنيات ثلاثية الأبعاد، ونظارات الواقع الافتراضي، والبيئات التفاعلية، كلها فتحت بابًا واسعًا أمام الفنون الأدائية. فجأة، يمكن لعرض مسرحي أن يُشاهَد من قارات متعدّدة في اللحظة نفسها، ويمكن للممثل أن يؤدي دوره عبر “أفاتار” رقمي يتحرّك في فضاء لا تحدّه الجاذبية ولا الإمكانات التقنية المحدودة للديكور التقليدي. الإمكانيات مغرية بلا شك.
لكن المسرح ليس مجرد صورة أو حركة. إنه احتكاك مباشر، أنفاس تتقاطع، وارتباك لحظي يصنع صدق الأداء. هنا يكمن القلق المشروع: هل يستطيع الجسد الرقمي أن ينقل الارتعاشة نفسها؟ وهل يمكن لتجربة افتراضية أن تعوّض دفء التصفيق الحي؟
في المقابل، لا يمكن تجاهل ما يتيحه الميتافيرس من فرص. فهو يكسر الحواجز الجغرافية، ويمنح جمهورًا واسعًا إمكانية الوصول إلى عروض ربما لم يكن ليستطيع حضورها. كما يفتح الباب أمام تجارب إبداعية غير مسبوقة، تسمح للكاتب والمخرج بتخيّل عوالم لا يمكن تحقيقها على خشبة تقليدية. بل إن الجمهور نفسه لم يعد متفرّجًا صامتًا، بل يمكن أن يصبح جزءًا من الحدث، يتحرّك داخله ويؤثر في مساره.
غير أن هذه المشاركة تطرح تحدّيًا آخر: كيف نحافظ على تماسك الحكاية إذا أصبح لكل مشاهد طريقه الخاص داخل العرض؟ هل سنشهد نوعًا جديدًا من الكتابة المسرحية قائمًا على الاحتمالات المتعددة بدل الحبكة الواحدة؟ ومن سيضع المعايير النقدية لتقييم هذا الشكل الجديد من الأداء؟
التاريخ يُعلّمنا أن الفنون لا تموت بسهولة. عندما ظهرت السينما، قيل إن المسرح انتهى، لكنه بقي. وعندما انتشر التلفزيون، ظنّ البعض أن الخشبة ستفرغ، لكنها استمرت. لعل الميتافيرس لا يمثل نهاية المسرح، بل مرحلة أخرى في رحلته الطويلة. مرحلة قد تدفعه إلى إعادة تعريف نفسه، دون أن يتخلى عن جوهره.
ربما لن يكون السؤال في السنوات المقبلة: هل يبقى المسرح دون خشبة؟ بل: كيف يمكن للخشبة أن تتمدّد، لتستوعب عالمًا يتجاوز الجدران والسقف؟ بين الخوف من فقدان الروح، والأمل في اكتشاف آفاق جديدة، يقف المسرح اليوم على عتبة تحول تاريخي. والقرار، في النهاية، ليس بيد التكنولوجيا وحدها، بل بيد الفنان الذي يعرف كيف يحوّل كل أداة جديدة إلى مساحة للخلق لا إلى بديل عن الإنسان.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.