السنهوري أمينًا عامًا للبعث دلالة الحدث ورسالة السودان في الفضاء القومي

صحيفة الهدف

أمجد السيد

في لحظة سياسية عربية مثقلة بالأسئلة حول مستقبل المشروع القومي، جاء انتخاب الأستاذ علي الريح الشيخ السنهوري أمينًا عامًا لحزب البعث العربي الاشتراكي خلال أعمال مؤتمره القومي الأخير ليحمل أكثر من معنى سياسي وتنظيمي. فالحدث لا يقتصر على انتقال موقع قيادي داخل حزب عريق في التاريخ السياسي العربي، بل يفتح بابًا لقراءة أوسع تتصل بمكانة السودان في الحركة القومية العربية وبطبيعة التنظيم القومي ذاته.

فالمؤتمر القومي للحزب، بوصفه أعلى سلطة تنظيمية فيه، لا يقوم على منطق التوازنات الجغرافية أو توزيع المواقع وفق ثقل الأقطار، بل على قاعدة العمل النضالي داخل التنظيم. ولذلك فإن انتخاب مناضل سوداني في أعلى موقع قيادي في الحزب لا يمثل حالة استثنائية بقدر ما يعكس طبيعة الفكرة القومية التي يقوم عليها الحزب، حيث تتساوى مواقع المناضلين في إطار مشروع سياسي يتجاوز حدود الدولة القطرية.

ينتمي الأستاذ علي الريح السنهوري إلى جيل من البعثيين السودانيين الذين ارتبط اسمهم بتاريخ طويل من العمل السياسي والتنظيمي. فقد ظل لسنوات جزءًا من القيادة القومية للحزب، وأسهم في نشاطه الفكري والسياسي داخل السودان وخارجه، قبل أن يختاره المؤتمر القومي الأخير أمينًا عامًا للحزب، في مرحلة إقليمية معقدة تشهد تحولات عميقة في موازين القوى داخل العالم العربي.

غير أن قراءة هذا الحدث لا تكتمل دون استحضار التاريخ الممتد لمشاركة البعثيين السودانيين في مؤسسات الحزب القومية. فقد عرف الحزب منذ عقود حضور شخصيات سودانية في قيادته العليا، من بينها الراحل محمد سليمان الخليفة الذي كان عضوًا في القيادة القومية حتى استشهاده في يوليو 1971، وكذلك الأستاذ بدر الدين مدثر سليمان، أحد المؤسسين الأوائل للحزب في السودان منذ عام 1960، الذي انتُخب عضوًا في القيادة القومية في المؤتمر الحادي عشر عام 1977 وأعيد انتخابه في المؤتمر الثاني عشر عام 1992، وظل يمارس دوره القيادي حتى وفاته.

هذا الامتداد التاريخي يؤكد أن حضور السودان داخل مؤسسات الحزب القومية لم يكن حدثًا طارئًا، بل جزءًا من مسار نضالي طويل شارك فيه مناضلو الحزب في السودان منذ بداياته الأولى. ولذلك فإن انتخاب السنهوري اليوم يمكن قراءته بوصفه استمرارًا طبيعيًا لذلك المسار، وليس انعكاسًا لظرف عابر أو لحظة استثنائية.

كما أن لهذا الانتخاب دلالة رمزية تتجاوز الإطار الحزبي. ففي وقت تتعرض فيه فكرة العمل القومي العربي لكثير من التشكيك، يعيد هذا الحدث التذكير بأن المشروع القومي لم يكن يومًا حكرًا على جغرافيا بعينها، بل كان فضاءً سياسيًا وثقافيًا مفتوحًا لكل الأقطار العربية التي شاركت في تشكيله عبر تاريخ طويل من التفاعل الفكري والسياسي.

ومن هذا المنظور، فإن وصول مناضل سوداني إلى الموقع الأول في قيادة الحزب يعكس أيضًا حضور السودان داخل المجال العربي الأوسع، ويؤكد أن هذا البلد، برغم تعقيداته السياسية وتحدياته الداخلية، ظل جزءًا من الحركة الفكرية والسياسية التي نشأت حول فكرة العروبة والوحدة والعدالة الاجتماعية.

إن انتخاب الأستاذ علي الريح السنهوري أمينًا عامًا لحزب البعث العربي الاشتراكي ليس مجرد محطة تنظيمية داخل حزب سياسي، بل لحظة تحمل معناها في تاريخ الحركة القومية العربية. فهي تذكير بأن الأفكار الكبرى لا تُقاس بحدود الجغرافيا، بل بقدرة المناضلين على حملها والدفاع عنها عبر الأجيال.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.