بقلم: الدكتور نائِل اليعقوبابي
*(خير أن تفهم القليل، من أن
تسيء فهم الكثير..).
– أناتول فرانس –
مفكر وروائي فرنسي
.. حينما يتحدث الواحد منا عن الثقافات سرعان ما يخطر بباله ما بينها من اختلاف، وهو أمر مشروع ما دام هناك ما يؤكد هذا الظن بدءًا باختلاف اللغة والملبس والمسكن والعادات والتقاليد. ففي الطعام هناك من يستخدم يده، وثان الشوكة أو الملعقة وثالث الأعواد (كما في كثير من دول آسيا)… وتعود أسباب هذه الاختلافات إلى علاقتها بالاختلاف الجغرافي والتاريخي والبيولوجي والمناخي وما إلى ذلك.
وقد تنشأ الاختلافات الثقافية عن الإمكانيات المتعددة التي يستخدمها الإنسان للتعبير عن فعلٍ من أفعاله، فطريقة العد في بعض البلدان الآسيوية تختلف عنها في الغرب وعند العرب، حيث يبدأ العد بدءًا بالإبهام وانتهاء بالخنصر، أو العكس:5،4،3،2،1، وإذا شئنا الاستمرار نستخدم اليد الثانية حتى نبلغ الرقم 10 أما في اليابان فالعُّد عندهم من 1 إلى 5 يبدأ بالسبّابة لينتهي بالإبهام، ويستمرون بالعد من 6 إلى 10 باستخدام اليد نفسها وبالطريقة نفسها.
ومن أسباب الاختلاف الثقافي أيضًا ما يعود إلى ما تسميه الألسنية الحديثة (عشوائية أو اعتباطية اللسان). أو على نحو أدق (اعتباطية العلامة). وإذا استمررنا في لعبة الأرقام، نقول إن الرقم 13 يحمل دلالات سلبية أو إيجابية وذلك تبعًا لهذا اللسان أو ذاك، وغالبًا ما يغيب هذا الرقم على أبواب غرف بعض الفنادق أو في دعوة، كأن يتوقف عدد المدعوين عند الرقم 12. وفي اليابان الرقم 9 يعني (الألم أو المعاناة أو الكدر الخ.. والأسوأ هو دلالة الرقم 4 المُعَبّر عنه بكلمة (شي)، وهي كلمة تستحضر الموت. وعلى هذا الأساس لا ترى يابانيًا يقدم باقة مؤلفة من أربع وردات، أو أربع قطع من الحلوى وهلم جرّا… وبشكل عام، يرى اليابانيون أن الأرقام المفردة أكثر إيجابية من الأرقام المزدوجة.
أما بالنسبة للألوان ففيها الكثير مما يفاجئنا، فالمسيحية ترى في اللون الأزرق دلالة إيجابية، بينما كان الرومان يرون فيه عكس ذلك، وفي بعض البلدان لا يكون اللون الأسود رمزًا للحداد بل اللون الأبيض، كما في اليابان حيث لا يتم تقديم الورود البيضاء كهدية، لأنها علامة على الحزن أبيض أم أسود فهو يرمز إلى (الغياب)…
هذه الاختلافات تعود إلى طريقة الشعوب في تكييف أنفسها مع واقعها، وربما لا يعرف كثيرون من أبناء هذه الثقافة أو تلك الأسباب الحقيقية الكامنة وراء اتباع هذه العادة أو تلك. ومن هنا ترى حذر أبناء هذه الثقافة إزاء الثقافات الأخرى، ما يدفع إلى الابتعاد أو إلى الاقتراب.
بشكل عام، الاختلاف الثقافي ليس بالضرورة سلبيًا، بل ربما يكون نافعًا، ولا سيما أنه جزء أساس في تحديد الهوية الوطنية والهويات الفرعية أو المناطقية. ومن هنا أهمية النظر إلى الاختلاف الثقافي على أنه عامل يدفع الناس إلى التفاعل فيما بينهم والتقرب من بعضهم وفهم بعضهم، واحترام هذا الاختلاف.

Leave a Reply