أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
من البنية الحزبية إلى الفكرة التاريخية: ليست عبارة (التنظيم القومي) في فكر حزب البعث العربي الاشتراكي مجرد توصيف إداري لهيكل فوق قطري، ولا مجرد مستوى تنظيمي أعلى من القيادة القطرية، بل هي في جوهرها تعبير عن تصور فلسفي للتاريخ، وللأمة، وللوحدة بوصفها ضرورة وجودية لا خياراً سياسياً. بالتالي فإن التنظيم القومي هو الترجمة المؤسسية لفكرة أن الأمة العربية حقيقة تاريخية واحدة، وإن تجزأت أقطارها سياسياً. وهو، بهذا المعنى، ليس جهازاً فوقياً، بل تعبيراً عن وحدة الوعي قبل وحدة الجغرافيا.
وقد تجسد مفهوم التنظيم القومي مبكراً في بنية الحزب عبر القيادة القومية والمؤتمرات القومية، بوصفها مؤسسات تعمل للحفاظ على وحدة القرار الاستراتيجي في ظل تعدد الساحات القطرية. نص دستور حزب البعث العربي الاشتراكي في مادته الثانية على أن (الحزب قومي، له قيادة قومية منتخبة تمثله في كل الأقطار العربية). وفي المادة الرابعة: (الحزب يعمل على تحقيق وحدته التنظيمية والفكرية على المستوى القومي، ويعتبر التنظيمات القطرية أجزاء من هذه الوحدة(.
وقد عبّر القائد المؤسس الأستاذ ميشيل عفلق عن هذه الرؤية بقوله (إن الوحدة القومية ليست مجرد هدف سياسي نصبوه، بل هي الوعاء الطبيعي الذي تستعيد فيه الأمة العربية شخصيتها وتؤدي فيه رسالتها التاريخية (.
أولاً: التنظيم القومي كإجابة على سؤال الأمة: حين تأسس حزب البعث، لم يكن السؤال المطروح سؤال دولة قطرية، بل سؤال أمة ممزقة بفعل الاستعمار والحدود المصطنعة. فالفكرة المركزية في الفكر البعثي أن الأمة العربية ليست مشروعاً مستقبلياً، بل كياناً تاريخياً تعرض للتقسيم. من هنا، فإن التنظيم القومي ليس (مستوى تنظيمي أعلى)، بل هو تجسيد لفكرة أن الإرادة السياسية يجب أن تتجاوز حدود القطر، لأن الوعي القومي سابق على الدولة القطرية.
بالتالي فإن التنظيم القومي إذن هو: البنية التي تحفظ وحدة المشروع القومي في مواجهة واقع التجزئة. فلسطين ليست مجرد قضية من قضايا الأمة، بل هي البوصلة التي تختبر صدق الانتماء القومي. والتنظيم القومي الذي لا يجعل فلسطين في قلب أولوياته، يفقد مبرر وجوده. لذلك، فإن أي حديث عن التنظيم القومي لا يكتمل دون التأكيد على أن فلسطين هي العنوان الأبرز لوحدة الهدف والمصير.
ثانياً: الفرق بين القومي والقطري في البناء البعثي: في الفكر البعثي، يوجد مستويان:
1. القيادة القطرية: تمثل الحزب داخل حدود الدولة القطرية القائمة.
2. القيادة القومية: تمثل الحزب على مستوى الأمة العربية كلها.
لكن هذا التمييز ليس ازدواجاً تنظيمياً، بل هو انعكاس لجدلية الواقع والفكرة:
1. الواقع: أقطار قائمة ذات سيادة سياسية.
2. الفكرة: أمة واحدة ذات مصير مشترك.
فالقطر هو ظرف تاريخي فرضته التجزئة. أما القومي فهو الأصل الذي يسعى التنظيم القومي إلى استعادته.
وبالتالي، فإن التنظيم القومي هو الذي يحفظ الاتجاه الاستراتيجي للحزب نحو الوحدة، حتى وهو يعمل داخل أطر قطرية.
ثالثاً: التنظيم القومي كحارس للمشروع التاريخي: أي حزب يعمل داخل دولة قطرية معرض لأن ينزلق تدريجياً نحو (قطرنة) مشروعه، أي تحويله إلى مشروع محلي محض، يتماهى مع الدولة القائمة ويذوب في أولوياتها الضيقة. فوظيفة التنظيم القومي هنا هي حماية البوصلة، وهو الذي يذكّر بأن:
1. الصراع ليس قطرياً فقط، بل قومي.
2. النهضة ليست إصلاحاً محلياً، بل تحرراً شاملاً.
3. الاشتراكية ليست سياسة اقتصادية وطنية فقط، بل رؤية للعدالة في فضاء الأمة العربية.
بهذا المعنى، التنظيم القومي ليس إدارة عليا، بل ضمير استراتيجي. غير أن قدرة التنظيم القومي على أداء هذه الوظيفة ظلت مرتبطة بمدى استقلاله عن الضغوط القطرية، وبقدرته على الحفاظ على طابع تمثيلي للأمة لا انعكاساً لموازين القوى داخل الأقطار.
رابعاً: فلسطين: (بوصلة التنظيم القومي): فلسطين ليست مجرد قضية من قضايا الأمة، بل هي البوصلة التي تختبر صدق الانتماء القومي. والتنظيم القومي الذي لا يجعل فلسطين في قلب أولوياته، يفقد مبرر وجوده. لذلك، فإن أي حديث عن التنظيم القومي لا يكتمل دون التأكيد على أن فلسطين هي العنوان الأبرز لوحدة الهدف والمصير. إن تحرير فلسطين ليس شأناً فلسطينياً فقط، بل هو مشروع الأمة كلها، والتنظيم القومي هو الإطار الذي يحول هذا المشروع من شعار إلى برنامج عمل.
خامساً: التنظيم القومي بين النظرية والتحديات الواقعية: في التجربة التاريخية، واجه مفهوم التنظيم القومي إشكاليات متعددة، منها:
1. التوتر بين مقتضيات السيادة القطرية ومتطلبات القرار القومي.
2. صعوبة التنسيق بين أقطار تخضع لظروف سياسية وأمنية متباينة.
3. تحولات موازين القوى الدولية والإقليمية.
ومع ذلك، فإن الفكرة الجوهرية بقيت ثابتة: أن التجزئة ليست قدراً نهائياً، بل حالة طارئة في التاريخ العربي. فالتنظيم القومي هو التعبير العملي عن رفض الاعتراف بالتجزئة كهوية نهائية.
وجدد المؤتمر القومي الثالث عشر المنعقد في يناير 2026 التأكيد على هذه الرؤية، حين دعا إلى (انتخاب قيادة قومية جديدة لقيادة المرحلة لحشد الجهد القومي والرد على خطاب اليأس والهزيمة والتطبيع). كما أكد على ضرورة منح تنظيمات الحزب التي تعمل في إطار هذه البيئات مرونة تتناسب مع واقع الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون التفريط بالثوابت الأساسية. هذا التوازن بين الثوابت والمرونة هو جوهر جدلية القطر والأمة التي يعالجها المقال.
وتظل قضية العراق مثالاً صارخاً على استهداف التنظيم القومي ذاته. فقرار الاجتثاث الذي فرضه المحتل الأمريكي لم يكن استهدافاً لأفراد، بل محاولة لاقتلاع الفكرة القومية من جذورها. وقد أكد المؤتمر القومي الثالث عشر أن (ما تعرض الحزب من استهداف بوجوده التنظيمي ومنظومته الفكرية وخاصة في العراق، لا ينفصل عن الاستهداف العام الذي تتعرض له الأمة العربية). فالدفاع عن التنظيم القومي في العراق هو دفاع عن حق الأمة في الوجود السياسي والفكري.
ورغم التحديات، سجلت التجربة البعثية نجاحات للتنظيم القومي في الحفاظ على تماسك الحزب خلال الأزمات. ففي مراحل الانقسام والصراعات القطرية، كان التنظيم القومي الملاذ الذي أعاد تجميع الصفوف، وأكد أن الخلافات القطرية لا تلغي وحدة الهدف القومي. كما أن الدعم القومي لقضايا التحرر، خاصة فلسطين، ظل حاضراً رغم كل الضغوط.
من هذه التحديات التاريخية، ننتقل إلى سؤال أكثر عمقاً: ما هي الرؤية الفلسفية التي يقوم عليها التنظيم القومي؟ وكيف يُفهم بوصفه تصوراً للهوية السياسية؟

Leave a Reply