م: عادل أحمد محمد
ماهية التوأم الرقمي :
في ظل التسارع التكنولوجي المخيف، برز مصطلح “التوأم الرقمي” (Digital Twin)؛ وهو عبارة عن نسخة افتراضية مطابقة تماماً للكائن المادي (سواء كان آلة أو بشراً). هذه النسخة لا تقتصر على الشكل فقط، بل يتم تغذيتها ببيانات ضخمة تجعلها تحاكي صوت الشخص، طريقة تفكيره، وأسلوبه في اتخاذ القرار، مما يجعله يبدو حياً حتى وإن غيبه الموت أو الغياب القسري.
أولاً: التوأم الرقمي كـ “صدقة جارية” (الجانب المضيء)
بناءً على مقاصد الشريعة التي تتطور بتطور البشرية، يمكن تحويل هذه التقنية إلى “عمل صالح” لا ينقطع. فعندما يتم بناء توأم رقمي لعالم أو طبيب أو مهندس خدم البشرية، فإننا لا نستنسخ “جسده”، بل نخلد “منهجه العلمي”.
• الأمانة المعرفية: يشترط في هذا التوأم الالتزام الصارم بالمرجعية الموثقة، بحيث لا ينطق إلا بما له أصل في علم صاحب الشخصية الأصلي.
• النفع العام: أن يكون هذا التوأم “مشاعاً للبشرية” (Open Source) لضمان عدم احتكاره، ليكون بمثابة مكتبة حية تتفاعل مع الأجيال القادمة وتجيب على تساؤلاتهم بناءً على فكر العالم الراحل.
ثانياً: التوأم الرقمي في النزاعات (الوجه المظلم)
تكمن خطورة هذه التقنية عندما تُستخدم كأداة في الح.روب النفسية والسياسية، خاصة في المناطق التي تعاني من أزمات وغياب للشفافية. وهنا تبرز عدة مخاطر:
1. تزييف الحضور: القدرة على صناعة فيديوهات وتسجيلات صوتية (Deepfake) لقادة قد يكونون غير موجودين فعلياً (بسبب وفاة أو عجز)، لإيهام الأتباع باستمرار القيادة ومنع انهيار الروح المعنوية.
2. تضليل الرأي العام: استغلال جهل الغالبية العظمى من الناس بهذه التقنية، وانشغالهم بظروف المعيشة القاسية (كالماء والكهرباء والأمان)، لتمرير أجندات عبر “وجوه رقمية” مألوفة وموثوقة لديهم.
3. سلب الإرادة: تحول القائد من إنسان له إرادة إلى “روبوت رقمي” تُديره غرف عمليات تقنية، تضع على لسانه ما تشاء من أوامر وقرارات.
ثالثاً: ميثاق أخلاقي مقترح للتعامل مع التوائم الرقمية
لحماية المجتمعات من الانزلاق في فخ “الخداع الرقمي”، لابد من تبني المبادئ التالية:
• مبدأ شهادة الوفاة الرقمية: بمجرد وفاة الشخص قانونياً، يجب التوقف عن التعامل معه ككيان بشري حي، وأي ظهور رقمي له يجب أن يُصنف بوضوح على أنه “محاكاة رقمية” وليس الشخص الحقيقي.
• الشفافية والمرجعية: يجب أن تلتزم أي جهة تُنشئ توأماً رقمياً بذكر المصادر التي تُغذي هذا التوأم، ومنع استخدامه في إصدار أوامر ميدانية أو سياسية مصيرية.
• الوعي الشعبي: إن معرفة المواطن بوجود هذه التقنيات هي خط الدفاع الأول ضد التلاعب بعاطفته وقراره.
إن التوأم الرقمي سلاح ذو حدين؛ فإما أن يكون “عقلاً خالداً” يخدم العلم والبشرية كصدقة جارية، أو “قناعاً زائفاً” يُطيل أمد الصراعات ويخدع الشعوب. إن الأمانة المعرفية هي المعيار الوحيد الذي يفرق بين “تخليد العظماء” و”تزييف الواقع”.

Leave a Reply