(صحاب الأرض).. حين تتحوّل السينما إلى شهادة ضد المحو

صحيفة الهدف

سفريوي محمد
كاتب من المغرب

يجوز لنا أن نعتبر مسلسل (صحاب الأرض) واحدًا من تلك الأعمال النادرة التي لا تكتفي بتمثيل الواقع فقط، بل تسعى إلى إعادة بناءه بطريقة صريحة وصادمة. فمن خلال لغة سينمائية واعية بوظيفتها في توثيق الحقائق، يظهر هذا التوجه منذ الحلقات الأولى. لا يعتمد المسلسل على الديكور كمحاكاة فقط، بل يستخدم مشاهد دمار حقيقية لجعل الصورة نفسها حاملة للمعنى، وليس مجرد خلفية للقصة.
الشخصيات تتحرك داخل هذا الفضاء كجزء لا يتجزأ منه، وليس كعناصر منفصلة. حركتهم لا تخضع لمعايير الأداء المسرحي أو العاطفي، بل يرسمها ضغط المكان نفسه. كل حركة تبدو نتيجة مباشرة لوطأة هذا الدمار، وليس تعبيرًا مشتغلًا عليه من خارجه. بهذا السياق، يصبح الفضاء المادي “الأنقاض، الجدران المنهارة، الطرقات الفارغة” عنصرًا أساسيًا في تشكيل الأداء، وليس مجرد إطار له. وهو ما علّمتنا إياه الواقعية الجديدة الإيطالية بعد الحرب العالمية.
هذا الأسلوب الفني نرصده أيضًا في الاقتصاد الواضح والواعي في الحوارات. الشخصيات لا تلقِ خطابات طويلة، ولا تنطق بجمل بطولية حماسية. اللغة مقتصدة ووظيفية، وأحيانًا متقطعة، كما لو أن الكلمات نفسها أصبحت عبئًا تحت القصف. هذا الاختصار يمنح السلوكيات اليومية للشخصيات قيمة درامية مضاعفة: نظرة قلق، محاولة اتصال، احتضان سريع، كلها تحل محل الخطاب. يرفض المسلسل البطولة كخطاب، ويعيد تعريفها كاستمرار للحياة في ظروف استثنائية.
من ناحية أخرى، يقدم العمل الجندي الصهيوني لا كشخصية درامية مكتملة، بل كجزء حي من الدمار نفسه. حضوره لا يبنى نفسيًا، بل بصريًا ووظيفيًا. يظهر كقوة مادية، جزء وامتداد لآلة الهدم، وليس فردًا مستقلًا عنها. هذا الاختيار ينسجم مع منطق العمل: التركيز ليس على تفسير العنف، بل على إظهار أثره. الجندي الصهيوني هنا ليس موضوعًا للسرد، بل أداة تكشف طبيعته.
الجوانب الأكثر عمقًا هي إصرار المسلسل على إبراز اللحظات الإنسانية البسيطة: لحظة فرح عابرة، نوبة غضب، خوف صامت، أو محاولة عادية للاستمرار. هذه التفاصيل، التي قد تبدو هامشية، تتحوّل إلى مركز السرد. إنها تعيد تعريف الفلسطيني لا كرمز مجرد، بل كإنسان يعيش، يشعر، ويقاوم عبر استمراره ذاته.
أما اختيار العمل إخفاء المقاومة في الخلفية، والإشارة إليها عبر علامات رمزية، مثل صورة المرأة الحامل، فلإقناعنا بأن المقاومة هنا ليست مشهدًا استعراضيًا، بل أفقًا وجوديًا، إمكانية مستقبلية تجسدها الرغبة في استمرار الحياة نفسها. هذا الاختيار يمنح السرد عمقًا إضافيًا، لأنه يرفض تحويل المقاومة إلى صورة استهلاكية، ويحتفظ بها كحقيقة في النسيج الاجتماعي.
باستخدام هذه الأدوات، ينجح المسلسل في بناء سردية بصرية متماسكة، لا تعتمد على الخطابة، بل على التراكم الصامت للصور والمعاني. إنه لا يجادل، بل يكشف. لا يشرح، بل يترك الواقع يتحدث عبر تفاصيله. وفي هذا يكمن بعده السياسي الأعمق: تحويل التجربة الإنسانية في غزة إلى ذاكرة بصرية يصعب تفكيكها أو إنكارها. ليس لأنه يقدم خطابًا مضادًا، بل لأنه يقدم واقعًا مكتمل الحضور، قادرًا بذاته على مقاومة كل محاولات المحو.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.