ذاكرة مدينة

صحيفة الهدف

صلاح عوض الله النعمان

قبل رمضان الماضي في القاهرة، تواصل معي د.نصر الدين شلقأمّي عبر صديقٍ مشترك، ودعاني لتقديم قراءة في كتابه (كوستي: القصة والتاريخ) الذي صدر قبل نحو ثلاثين عامًا، وأهداني نسخةً منه مشكورًا.
أُقيمت الفعالية في مقر معهد جوته، السودان بالدقي، وسط حضورٍ لافت من أبناء كوستي ومحبيها.
قدّمت قراءةً حاولتُ فيها إضاءة بعض جوانب الكتاب، والوقوف عند ما تمثله كوستي في الذاكرة والسرد والتاريخ. وبعد انتهاء الفقرة النقدية، أُطفئت الإضاءة قليلًا لتبدأ فقرة غنائية أحياها الفنان شريف شرحبيل، فصدح بصوته وأضفى على الأمسية دفئًا خاصًا.
خلال الاستراحة، استوقفني أحد الأصدقاء مبتسمًا، وقال إن بعض الحضور في المقاعد الخلفية كانوا يتساءلون عن أصولي: من أي أحياء كوستي أنا؟ وتوالت التخمينات بين هذا وذاك، في شيءٍ من الدعابة التي لا تخلو أحيانًا من مسحةٍ جهوية عابرة.
ابتسمت وقلت لصديقي:
“قل لهم إن جذورنا ضاربة في طين المدينة، وأننا من أبناء بيئتها الأولى؛ ربّتنا حبوبات الحي، واحتضنتنا شوارعه، قبل أن تحمل السكة الحديد والنقل النهري أفواج القادمين. نحن من نسيج المكان، لا طارئون عليه.”
كانت لحظةً صغيرة، لكنها كشفت كيف يمكن لسؤالٍ عابر عن “الأصل” أن يوقظ أسئلةً أكبر عن الانتماء والهوية. غير أن كوستي، مثل كثيرٍ من المدن النهرية، قامت على التلاقي والامتزاج، وصنعت جمالها من هذا التنوع.
وهكذا انتهت الأمسية كما بدأت: احتفاءً بكتاب، ومدينة، وذاكرةٍ تتسع للجميع.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.