التعليم في السودان: منارة الحضارة القديمة وتحديات البقاء في عصر الأزمات

صحيفة الهدف

إعداد: ماجد الغوث

لا يمكن قراءة تاريخ السودان بمعزل عن تاريخ مؤسساته التعليمية؛ فالعلم في بلاد النيلين لم يكن يومًا ترفًا طارئًا، بل كان ركيزة وجودية صاغت وجدان الإنسان السوداني وهويته عبر العصور. اليوم، وبينما يمر التعليم بأصعب فتراته التاريخية، نعود لنقرأ الصفحات المضيئة لنفهم كيف يمكن استعادة هذا الإرث العظيم.

1. فجر المعرفة: من كوش إلى مروي

لم يبدأ التعليم في السودان مع دخول الورق والقلم الحديث، بل نُقش على جدران المعابد في مملكة كوش العظيمة. كانت “مروي” منارة للعلم والثقافة في العالم القديم، حيث طوّر السودانيون القدماء “اللغة المروية” كتابةً وقراءة، مما جعلها مركزًا حضاريًا جذب العلماء والباحثين. هذا الإرث هو ما يفسر شغف الإنسان السوداني بالعلم كقيمة أصيلة متجذرة في جيناته الحضارية.

2. المؤسسة التقليدية: “الخلاوي” حارسة الهوية

مع انتشار الإسلام، تحول التعليم إلى نظام اجتماعي متكامل تقوده “الخلاوي”. لم تكن الخلوة مجرد مكان لتحفيظ القرآن الكريم فحسب، بل كانت “جامعة شعبية” تعلم اللغة العربية، الحساب، والعلوم الشرعية، والأهم من ذلك أنها غرست قيم التكافل والانضباط. ظلت الخلاوي هي الصخرة التي تكسرت عليها محاولات طمس الهوية الوطنية في فترات الغزو والاستعمار.

3. جامعة الخرطوم: “الجميلة والمستحيلة”

تمثل جامعة الخرطوم (كلية غوردون سابقًا) رمزية خاصة في وجدان الشعب السوداني. فهي لم تكن مجرد مؤسسة أكاديمية تأسست في مطلع القرن العشرين، بل كانت “برلمانًا للفكر” ومصنعًا للقيادات الوطنية. بأسوارها العريقة ومناهجها الرصينة، استطاعت أن تضع السودان على خارطة التعليم العالمي، وظل خريجها سفيرًا للكفاءة والنزاهة في كافة المؤسسات الدولية، مما جعلها هدفًا لكل من أراد فهم سر الشخصية السودانية القيادية.

4. ريادة المرأة: من “بابكر بدري” إلى قمة الهرم الأكاديمي

يتميز التاريخ السوداني بريادته في تعليم المرأة بفضل جهود الرواد الأوائل مثل الشيخ بابكر بدري. فالسودان كان من أوائل الدول الإفريقية والعربية التي آمنت بأن تعليم الفتاة هو تعليم للأمة بأكملها. هذه المسيرة التي بدأت بمدرسة واحدة في رفاعة، أثمرت عن وجود طبيبات ومهندسات وقاضيات سودانيات منذ وقت مبكر، مما منح المجتمع السوداني توازنًا ثقافيًا واجتماعيًا فريدًا.

5. زلزال الصراعات: التعليم تحت الحصار

للأسف، يواجه هذا الإرث اليوم تحديات “وجودية” نتيجة النزاعات المسلحة:

• تدمير البنية التحتية: خروج آلاف المدارس والجامعات عن الخدمة، وفقدان المختبرات والمكتبات التاريخية التي لا تقدر بثمن.

• نزيف العقول: هجرة جماعية للمعلمين والأكاديميين، مما أفرغ المؤسسات من كفاءاتها النادرة.

• الواقع الاقتصادي: مع انهيار العملة (وصول الدولار لـ 3660 جنيه)، أصبح التعليم عبئًا ماليًا ثقيلًا، مما أدى لارتفاع نسب التسرب المدرسي لمستويات قياسية.

6. رؤية للإصلاح: نحو مستقبل رقمي ومرن

إن إنقاذ التعليم يتطلب اليوم “ثورة إدارية وتقنية”:

• التعليم الإلكتروني: ضرورة اعتماد الحلول الرقمية كبديل عاجل في مناطق النزاع واللجوء.

• إعادة الاعتبار للمعلم: توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة للمعلم السوداني لضمان استمرارية العطاء.

• الشراكات الدولية: تفعيل التعاون مع المنظمات الدولية (مثل اليونسكو) لإعادة إعمار ما دمرته الح.رب.

خاتمة

يبقى التعليم في السودان هو الرهان الأخير لاستعادة الدولة عافيتها. فإذا كانت الح.رب قد دمرت المباني، فإن حماية “العقول” هي التي ستبني السودان من جديد. إن تاريخنا يثبت أن السودانيين يمرضون بالعلم ولا يموتون بالجهل، وستظل آمال التغيير معقودة على صمود هذا الجيل المتعطش للمعرفة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.