التضخم في السودان يتباطأ.. الغلاء مستمر والواقع المعيشي صعب

صحيفة الهدف

تقرير: مجدي علي

سجّل معدل التضخم السنوي في السودان 60.26% خلال يناير 2026، متراجعًا بنحو ثماني نقاط مئوية مقارنة بشهر ديسمبر الماضي، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء. كما انخفض الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك إلى 606,095.49 نقطة مقابل 631,072.80 نقطة في ديسمبر، مسجلًا تراجعًا شهريًا نسبته 3.96%.

على المستوى الإحصائي، تبدو هذه الأرقام إشارة إلى تباطؤ وتيرة الارتفاع السعري، خصوصًا بعد سنوات شهد فيها السودان معدلات تضخم قياسية تجاوزت في بعض الفترات خانة المئات. لكن القراءة المتأنية تكشف أن الانخفاض الحالي يحدث من قاعدة سعرية مرتفعة للغاية، ما يعني أن الأسعار ما تزال عند مستويات عالية، وإن كانت ترتفع بوتيرة أبطأ.

تباطؤ التضخم لا يعني تراجع الأسعار

الفرق بين انخفاض التضخم وانخفاض الأسعار جوهري. فسلع الغذاء الأساسية، من الحبوب والزيوت إلى اللحوم والسكر، لا تزال تسجل أسعارًا تفوق بكثير ما كانت عليه قبل الحرب، كما أن تكاليف النقل والكهرباء والوقود تظل من أبرز الضغوط على ميزانيات الأسر. ويعتمد احتساب التضخم على سلة تضم 663 سلعة وخدمة موزعة على 12 مجموعة رئيسية، تتقدمها الأغذية والمشروبات من حيث الوزن النسبي، نظرًا لاعتماد شريحة واسعة من السكان على إنفاق الجزء الأكبر من دخلها على الغذاء.

للحرب تأثير مركب على الأسعار

منذ اندلاع الحرب، واجه الاقتصاد السوداني صدمات متزامنة في العرض والطلب. فقد تعطلت سلاسل الإمداد بين الولايات، وتضررت منشآت إنتاجية وزراعية وصناعية، وارتفعت تكاليف النقل والتأمين، كما فقدت أعداد كبيرة من المواطنين مصادر دخلهم نتيجة توقف الأعمال والنزوح الداخلي والخارجي.

هذا التداخل بين تراجع الإنتاج وارتفاع التكاليف من جهة، وضعف الدخول من جهة أخرى، خلق بيئة تضخمية معقدة. فحتى مع تراجع المؤشر الرسمي، يبقى الشعور العام بغلاء المعيشة حاضرًا بقوة، لأن الدخول لم تتحسن بما يكفي لتعويض القفزات السعرية السابقة.

سعر الصرف

يظل سعر صرف الجنيه السوداني عاملًا محوريًا في تحديد اتجاهات الأسعار، وأي تراجع في قيمة العملة المحلية ينعكس مباشرة في تكلفة الواردات، ما يغذي الضغوط التضخمية.

أحد أبرز أوجه الأزمة يتمثل في تآكل القوة الشرائية. فالكثير من العاملين في القطاعين العام والخاص لم تشهد أجورهم زيادات تتناسب مع الارتفاع الكبير في الأسعار خلال السنوات الماضية.

العودة التدريجية والضغوط المحتملة

تشهد بعض المناطق، لا سيما العاصمة الخرطوم، تحسنًا أمنيًا نسبيًا سمح بعودة أعداد من اللاجئين والنازحين من دول الجوار، مع توقعات بارتفاع أعداد العائدين بعد عيد الفطر. غير أن هذه العودة، رغم أهميتها اجتماعيًا، قد تخلق ضغوطًا إضافية على الأسواق إذا لم تتوافر السلع والخدمات بوتيرة تلبي الطلب المتزايد.

هل يعني تراجع التضخم مسار تعافي؟

يمكن اعتبار تراجع التضخم إلى نحو 60% خطوة مهمة مقارنة بالمستويات القياسية السابقة، لكنه لا يمثل بعدُ نقطة تحول حاسمة. فالتحديات الهيكلية لا تزال قائمة: ضعف الإنتاج المحلي، محدودية الإيرادات العامة، هشاشة القطاع المصرفي، وتراجع الاستثمار.

البيانات الرسمية تعكس تباطؤًا في وتيرة الارتفاع السعري، لكنها لا تعني أن معاناة الأسر قد انحسرت. فالغلاء ما يزال ملموسًا في تفاصيل الحياة اليومية، من تكلفة الوجبة الأساسية إلى أجرة المواصلات وفواتير الخدمات.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.