طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
سعد راشد حسب النبي، مواطن سوداني من مدينة ود مدني، عاش الح.رب وتفاصيلها اليومية، وروى هذه المشاهد لكاتب المقال كشهادة حية على ما جرى.
لم تدمّر الح.رب في السودان البيوت وحدها، ولا شقّت الجغرافيا فقط، بل أصابت ما هو أعمق وأخفى: أصابت الروح. والح.رب لا تختبر قدرة الإنسان على البقاء فحسب، بل تختبر جوهره الأخلاقي. فالروح حين تُصاب، لا تصرخ دائمًا في هيئة إنسان، بل قد تهرب في هيئة كلب، أو تصبر في هيئة حمار، نزح مع الناس، وشاركهم المصير.
عاد الرجل إلى مدينته بعد النزوح، إلى بيتٍ نجا من السقوط لكنه لم ينجُ من الذاكرة. كل شيء كان في مكانه، إلا الطمأنينة. وفجأة مرّ صوت الطائرة. لم تكن طائرة قصف، بل طائرة رشّ. ومع ذلك، وقبل أن يستوعب العقل المشهد، كان كلبان قد فرا واختفيا. لم يهربا من الخطر، بل من الذاكرة.
فالخوف، حين يتراكم، يفقد قدرته على التمييز، والح.رب تعلّم الجسد أن يسبق العقل، وأن يرتجف قبل أن يفهم. وهنا يكمن الخراب الحقيقي: حين تفقد الأصوات براءتها، وتتحول السماء – التي كانت ملاذًا – إلى تهديد محتمل. وفي الأيام الأولى للح.رب، حدث ما يشبه الانقلاب الصامت في ترتيب الوجود.
وهذه المشاهد ليست استعارات أدبية ولا تخييلًا رمزيًا، بل شهادات حيّة من مدينة ود مدني، رواها الصديق سعد راشد حسب النبي، لا بوصفه شاهدًا محايدًا، بل كإنسان عاش الح.رب في تفاصيلها اليومية الدقيقة؛ في صوت الطائرة الذي يفزع الحيوان قبل الإنسان، وفي مورد الماء الذي جمع الطيور والبشر في انتظار واحد، وفي طرقات النزوح التي اختلطت فيها الأقدام بالحوافر. إنها شهادة من قلب المدينة، حيث تُرى الح.رب لا في نشرات الأخبار، بل في ارتجافه الكائنات وفي اختبارات الرحمة الصغيرة التي تكشف ما تبقى من إنسانيتنا
. الطيور، بأنواعها المختلفة، غادرت الفيافي. كأن البراري ضاقت بما امتلأت به من سلاح وق.تل، فاختارت الطيور أن تسكن مع الناس. صارت جزءًا من المشهد اليومي، تحطّ قرب البيوت، وتقترب بلا خوف قديم، كأنها هي الأخرى تبحث عن أمان مفقود. لم يكن ذلك مشهدًا عابرًا، بل علامة على أن الح.رب لا تدمّر الإنسان وحده، بل تعيد توزيع الحياة نفسها. وهكذا، صار المشهد اليومي للح.رب لا يضم الإنسان فقط، بل كل كائن حي يشترك معه في المصير.
وحين ( يروي الشاهد )كنا نشغّل بئر الماء لساعتين فقط كل ثلاثة أيام، محكومين بندرة الجاز وشحّ الإمكان، كانت المواعين تُصفّ في انتظار الماء: أوانٍ للناس، وأوانٍ للحياة من حولهم. كانت الطيور تنتظر معنا. لا تفصل بين عطش الإنسان وعطشها مسافة أخلاقية. ذلك التوافق الصامت بين الإنسان والطير عند مورد الماء كان درسًا عميقًا: حين يشتد الخطر، تسقط الفوارق الوهمية، ويعود الوجود إلى بساطته الأولى: كائنات تبحث عن الحياة، بلا امتيازات.
ولم يكن الخوف حكرًا على الطيور. الكلاب، بحدسها الفطري، كانت تميّز الوجوه. حين ترى قوات الدع.م السريع، تهرب. لا تحتاج إلى تحليل سياسي ولا خطاب إعلامي. الجسد يعرف من يهدده. وهذه المعرفة الغريزية، التي اكتسبها الحيوان، تكشف حجم الخراب الذي بلغته الحياة: حين يصبح الرعب لغة مشتركة بين الإنسان والكائن.
وفي هجوم الدع.م السريع على منطقة البهائم في الكريبة، لم يهرب الناس وحدهم. اندفعوا نحو القرى باتجاه المدينة عرب، والبهائم خلفهم، في مشهد ازدحام قاسٍ، تختلط فيه الأرواح بالأجساد، والبشر بالحيوانات، والخوف بالجوع. ومع ذلك، كان أهل القرى مهمومين بإيواء الجميع، الإنسان والبهيمة معًا. كأن الأخلاق الشعبية، في لحظات الانهيار، تستعيد حكمتها الأولى قبل أن تفسدها السياسة.
وحين نُهبت الأبقار وسُيقت بالقوة، لم تنتهِ المأساة عند السرقة. كانت الحمير والكلاب تركض خلف القطيع المسروق عند مروره بمدني، تركض لا لتسترد حقًا، بل لأنها لا تفهم الفقد إلا بالجري خلفه. وفي الداخل، تراكمت الأبقار المسروقة، ومعها حمير تحتاج إلى مأوى، وحيوانات بلا أصحاب، وأصحاب بلا بيوت. هكذا تكتمل صورة الح.رب، لا منتصر فيها، بل كائنات تائهة في دائرة العنف.
وفي مكان آخر، في مخيم نزوح، حيث تُقاس الحاجات بالأعداد، وتُرتّب الأولويات ببرود، كان رجلٌ ينشغل بالحمير. يسقيها، يطعمها، ويطمئن عليها. لم يكن هذا فعلاً جانبيًا، بل موقفًا أخلاقيًا صامتًا. ففي زمن الكارثة، تنكشف الإنسانية لا في الشعارات، بل في التفاصيل التي لا يلتفت إليها أحد. أن تهتم بحيوان ضعيف في لحظة عوز بشري عام، ليس غفلة عن الإنسان، بل فهمًا أعمق لمعناه.
عندما قال ابن عربي، المتصوف الأندلسي الكبير، بوحدة الوجود، لم يكن يلغي الفوارق بين الكائنات، بل كان يعلن أن الوجود شبكة معنى واحدة؛ من يرى الحياة كلها، لا يمكن أن يحتقر جزءاً منها. وهنا تتقاطع الحكمة الصوفية مع الأخلاق النبوية؛ فحين وسّع رسولنا الكريم ﷺ دائرة الأجر لتشمل كل كبدٍ رطبة، كان يؤسّس لأخلاق شاملة لا تُجزّأ، رحمتها واحدة، ومسؤوليتها واحدة.
الح.رب، في جوهرها، ليست ق.تلًا للجسد فقط، بل تدريبًا قاسيًا على القسوة. ومع ذلك، يظل الإنسان قادرًا على المقاومة، بأن يحمي ما تبقى من الرحمة. فالذي يلاحظ فزع كلبين من صوتٍ عابر، الذي ينتبه لانتظار الطيور عند مورد الماء، والذي يسقي حمارًا في مخيم نزوح، هو ذاته الذي لم تسمح روحه للح.رب أن تنتصر بالكامل. فلم يكن الخوف حكراً على الكلاب وحدها. فالطيور، التي كانت تعيش بعيداً في الفيافي، وجدت نفسها أيضاً أسيرة هذا الخوف الجديد.
ومن هنا، يصبح الصمت ج.ريمة. فالح.رب التي تجرّد الأصوات من براءتها، وتحوّل الكائنات إلى ذاكرة خوف، لا يمكن أن تكون قدرًا ولا ضرورة. إن وقف هذه الح.رب لم يعد مطلبًا سياسيًا فقط، بل واجبًا أخلاقيًا لحماية ما تبقى من روح هذا البلد.
ولا سبيل إلى ذلك إلا بإرادة شعبية واسعة، تتجاوز الاصطفافات الضيقة، وتؤسس لجبهة شعبية عريضة من أجل الديمقراطية والتغيير، جبهة تُعيد الاعتبار للإنسان بوصفه غاية لا أداة، وللوطن بوصفه بيتًا مشتركًا لا غنيمة ح.رب. فالديمقراطية ليست شعاراً، بل هي وحدها القادرة على أن تعيد للإنسان كرامته، وللحيوان أمانه، وللأرض صفاتها. وهي هنا ليست إجراءً شكليًا، بل شرطًا لإنقاذ الروح من مزيد من التوحش، والتغيير ليس شعارًا، بل فعل شفاء جماعي يعيد للسودان حقه في الحياة، ولأبنائه حقهم في الأمان، وللكائنات كلها حقها في الوجود بلا خوف.
هذه المشاهد التي رويناها ليست مجرد حكايات عابرة. فالكلب الذي يفر من صوت الطائرة، والطير الذي ينتظر الماء مع الناس، والحمار الذي يسقيه رجل في مخيم نزوح، كلها تذكير بأن الح.رب لا تدمّر البيوت فقط، بل تدمّر الروح. ومن هنا، فإن وقف هذه الح.رب ليس مجرد مطلب سياسي، بل واجب أخلاقي لحماية ما تبقى من روح هذا البلد.

Leave a Reply