أ. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
ليس شهر رمضان زمنًا تعبديًا معزولًا عن حركة التاريخ، ولا هو انقطاع روحي عن الشأن العام. إنه لحظة إعادة تأسيس للإنسان في علاقته بذاته، وبمجتمعه، وبأمته. هو زمن تُعاد فيه صياغة الإرادة، وتُختبر فيه القدرة على الانضباط، ويُستعاد فيه معنى الرسالة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183). فالغاية المعلنة للصيام هي التقوى. غير أن التقوى ليست مجرد حالة وجدانية، بل وعي أخلاقي مستمر، يضبط السلوك الفردي والجماعي. إنها يقظة الضمير التي تمنع الظلم، وتكبح الشهوة، وتعيد ترتيب الأولويات. وإذا كانت الأمة هي مجموع ضمائر أفرادها، فإن شهر رمضان هو موسم إعادة شحن هذا الضمير الجمعي.
لكن التجربة التاريخية تطرح سؤالًا جوهريًا، لماذا يتكرر رمضان كل عام ولا تتكرر نهضة الأمة العربية؟
هنا يظهر الفرق بين التدين الفردي والتاريخ الحي. فالتقوى حين تبقى شعورًا شخصيًا تتحول إلى عزلة، أما حين تتحول إلى وعي اجتماعي تصبح قوة تغيير. ومن ثم فالمشكلة ليست في غياب الإيمان، بل في غياب تحويل الإيمان إلى فعل منظم داخل التاريخ.
أولاً: الصيام بوصفه تحريرًا للإرادة: الصوم في جوهره فعل تحرر، تحرر من سلطان الجسد، ومن استبداد العادة، ومن هيمنة الرغبة. فالإنسان في رمضان يختبر قدرته على أن يقول (لا) لما اعتاد عليه. وهذه الـ(لا) الصغيرة في الطعام والشراب هي تدريب رمزي على (لا) أكبر في مواجهة الظلم، والفساد، والانحراف.
ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: (مَن لَم يَدَع قولَ الزُّورِ والعملَ بهِ فليسَ للهِ حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَهُ وشرابَهُ). (رواه البخاري). فالصوم ليس امتناعًا جسديًا فحسب، بل إعادة تشكيل للسلوك الأخلاقي. إن لم يتحول إلى ضبط للسان، وعدل في المعاملة، وصدق في الفعل، فقد جوهره. وهنا تتجاوز العبادة بعدها الفردي لتدخل المجال الاجتماعي. الصوم الصحيح يُنتج إنسانًا أعدل، وأكثر انضباطًا، وأقرب إلى معنى المسؤولية. وإذا تكاثرت هذه النماذج، تشكّل منها نسيج أخلاقي يحمي المجتمع.
ثانيًا: رمضان وبناء التضامن الاجتماعي: يقول الله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (الذاريات: 19).
في رمضان تتكثف معاني التكافل، زكاة، صدقات، موائد رحمة. ليس ذلك مجرد إحسان عابر، بل إعادة تذكير بأن الثروة ليست ملكية فردية مطلقة، بل أمانة اجتماعية. فالفقير في رمضان ليس هامشًا، بل يصبح حاضرًا في ضمير المجتمع. والغني لا يُترك لترفٍ منفصل عن آلام الآخرين. هذا التوازن هو جوهر العدالة الاجتماعية في بعدها الروحي. وقد قال رسول الله ﷺ: (مَن فطَّر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء). (رواه الترمذي وصححه الألباني). وهذا التضامن الرمضاني ليس مجرد مواساة وقتية، بل تذكير بنموذج اقتصادي بديل: اقتصاد لا يقوم على الاستغلال والربا، بل على التكافل والعدل. فكما أن الصوم يحرر الفرد من شهواته، فإن الاقتصاد العادل يحرر الأمة من تبعيتها للخارج. فالزكاة ليست صدقة، بل حق للفقراء في مال الأغنياء، كما أن الثروات الوطنية ليست ملكاً لفئة، بل حق للأجيال القادمة.
إنها فلسفة مضاعفة الخير عبر المشاركة. فالفعل الفردي يتحول إلى شبكة تضامن. وإذا كان التفكك الاجتماعي أحد أخطر أسباب ضعف الأمم، فإن رمضان يعيد وصل ما انقطع، ويذكّر بأن المجتمع وحدة أخلاقية لا مجرد تجاور سكاني.
ثالثًا: رمضان والهوية العربية الإسلامية: نزل القرآن في رمضان: قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185). القرآن نزل بلسان عربي مبين، فارتبط رمضان باللغة العربية، بالهوية، بالرسالة. إن تلاوة القرآن في هذا الشهر ليست فقط تعبدًا، بل استعادة للمعنى المؤسس للأمة العربية، أمة رسالة، لا أمة جغرافيا فحسب.
وفي هذا الشهر الذي نزل فيه القرآن، نزلت أيضاً ذكرى الإسراء والمعراج، حيث أسري بالنبي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. تلك الرحلة المباركة التي تربط بين القبلتين، وتؤكد أن الأمة العربية الإسلامية لا تقبل تجزئة مقدساتها ولا التفريط في أولى القبلتين. لهذا، يظل رمضان محطة سنوية لتجديد العهد مع فلسطين الطاهرة، وتذكيراً بأن المسجد الأقصى أمانة في أعناق الأمة كلها، لا يفرد بتحريره جيل دون جيل.
والأمة العربية، بحكم حملها للغة القرآن، ليست مجرد تجمع قومي، بل حاملة لوعاء حضاري. والرسالة الخالدة التي تتحدث عنها الفكرة القومية لا تنفصل عن هذه الجذور الروحية التي صاغت الوجدان الجمعي. رمضان، إذًا، ليس زمنًا خاصًا بالفرد، بل هو لحظة تجديد للصلة بين الأمة العربية ونصها المؤسس، بين التاريخ والهوية، بين الرسالة والمسؤولية.
رابعًا: من تهذيب الفرد إلى نهضة الأمة العربية: التاريخ الإسلامي شهد في رمضان لحظات مفصلية، حيث لم تكن بدر وفتح مكة مصادفة زمنية، بل تعبيرًا عن قانون حضاري، حين يضبط الإنسان شهوته يصبح قادرًا على ضبط واقعه. فالصوم لم يُنتج انسحابًا من العالم، بل أنتج إنسانًا مركز الإرادة، قليل الخوف، شديد الانضباط. ولهذا ارتبطت لحظات التحول التاريخي الكبرى بزمن الصوم، لأن التحرر يبدأ بتحرير الداخل قبل مواجهة الخارج.
فالصائم يتعلم الصبر، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 153). والصبر هنا ليس سكونًا، بل ثباتًا على المبدأ. الأمة التي تتعلم في رمضان الصبر والانضباط والتضامن، قادرة على تحويل هذه القيم إلى قوة حضارية.
فلا نهضة بلا أخلاق، ولا مشروع قومي بلا قاعدة روحية. وإذا كانت الأمة العربية تمرّ بأزمات سياسية واقتصادية، فإن جذور العلاج تبدأ من الإنسان ذاته. ورمضان هو المدرسة السنوية الكبرى لإعادة بناء هذا الإنسان.
وعندما نفهم الدين بهذه الصيغة التاريخية، لا يعود طقسًا بل رسالة في الزمن. ومن هنا نشأت الحركات النهضوية في العصر الحديث التي حاولت قراءة الدين باعتباره قوة تحرر لا مجرد شعيرة، وكانت الفكرة القومية العربية أحد أبرز هذه الاجتهادات في تحويل الإيمان إلى مشروع حضاري. ففي الرؤية البعثية لا يمثل العيد نهاية الصيام بل غايته الرمزية. فالإفطار ليس مجرد خروج من الجوع، بل إعلان انتصار الإرادة على الغريزة. ولهذا يصبح العيد صورة مصغّرة عن التحرير الأكبر: تحرر الإنسان من الخوف، وتحرر المجتمع من الاستغلال، وتحرر الأمة العربية من التبعية.
فالعيد الحقيقي ليس يومًا في التقويم، بل لحظة تاريخية تستعيد فيها الأمة العربية وعيها بذاتها.
لهذا، كان رمضان عند البعثيين ليس فقط شهر عبادة، بل محطة سنوية لمراجعة الذات، وتجديد العهد مع الأمة العربية، والاستعداد للتضحية في سبيلها. الصيام تدريب على الصبر، والصدقة تدريب على التضامن، والقيام تدريب على السهر في سبيل القضايا الكبرى.
فكما أن رمضان يسبق العيد، فإن الكفاح يسبق التحرير. وكما أن الصيام ليس هدفاً بذاته بل وسيلة للتقوى، فإن التنظيم الحزبي والعمل السياسي ليسا غاية، بل وسيلة لتحقيق رسالة الأمة الخالدة، في الوحدة، الحرية، الاشتراكية.
خامساً: من اليقظة الفردية إلى التنظيم الجماعي: اليقظة وحدها لا تكفي. فالأمة العربية لا تُبنى بمشاعرها فقط، بل بهياكلها وتنظيماتها. ما يفعله رمضان في الروح، يجب أن تكمله المؤسسات في الواقع. فالأفراد المتقون، إن بقوا متفرقين، يظلون عاجزين عن تغيير مسار الأمة. لهذا، كان النبي ﷺ لا يبني أفراداً فقط، بل يبني جماعة، وينظم صفوفها، ويؤسس لدولة تقيم العدل. وبعد وفاته، كان المسجد دار شورى، والقبلة جامعة، والجيش سوراً.
اليوم، في زمن التشرذم وضعف التنظيمات السياسية، يذكّرنا رمضان بأن الخير الفردي لا يكفي. لا بد من إطار يجمع الطاقات، وينظم الجهود، ويحوّلها إلى قوة فاعلة في ميادين السياسة والثقافة والمقاومة. فالأخلاق بلا تنظيم تذوي، والتنظيم بلا أخلاق يتحول إلى أداة قمع.
سادسًا: الرسالة الخالدة بين الروح والتاريخ: الرسالة الخالدة ليست شعارًا سياسيًا، بل معنى حضاريًا، بأن تكون للأمة العربية وظيفة في العالم. وظيفة أخلاقية، ومعرفية، وإنسانية. ورمضان يعيد ربط هذه الوظيفة بالأساس الروحي. الصوم يذكّر الإنسان بضعفه أمام خالقه، فيمنعه من الاستعلاء. ويذكّره بحاجته إلى غيره، فيمنعه من الأنانية. ويذكّره برقابة الله تعالى، فيمنعه من الظلم. هذه القيم هي التي تصنع أمة قادرة على أداء رسالتها، لا مجرد أمة تبحث عن موقع في معادلات القوة.
خاتمة: رمضان ليس انقطاعًا عن العالم، بل إعادة تأسيس للإنسان الذي يعمّر العالم. ليس تجربة فردية معزولة، بل لحظة تجديد للضمير الجمعي. من هنا، فإن العبادة في رمضان لا تنفصل عن مسؤولية الأمة العربية. فحين يتزكى الفرد، يقوى المجتمع. وحين يقوى المجتمع، تستعيد الأمة العربية قدرتها على حمل رسالتها.
وإذا كان الله سبحانه وتعالى، قد جعل غاية الصيام التقوى، فإن التقوى حين تتحول إلى عدل، وتكافل، وانضباط، وصدق، تصبح أساس نهضة لا تقوم على القوة المجردة، بل على أخلاق راسخة. رمضان إذن ليس زمن عبادة فحسب، بل زمن يقظة، (يقظة الروح… ويقظة الضمير… ويقظة الأمة العربية). وهذه اليقظة لا تكتمل إلا بفعل منظم، وإرادة جامعة، ورؤية واضحة، رؤية بعثية تؤمن بأن الأمة العربية قادرة على النهضة، وأن العيد الحقيقي هو يوم تستعيد فيه كرامتها، وتحرر فيه أرضها، وتوحد فيه صفوفها. فهل نجعل من رمضان بداية؟.

Leave a Reply