بقلم / م/ عادل أحمد محمد
تمهيد: الوطن بين القيمة والمكيدة
لطالما كان “الانتماء للوطن” هو المحرك الشعبي الأول، لكن التاريخ السوداني الحديث يكشف كيف تم التلاعب بهذا الانتماء. وكما يُقال: “الحرب يستدعون لها الفقراء ليموتوا، وفي السلم يستدعون السياسيين ليتقاسموا الغنائم”. هذا الواقع المرير يعكس كيف هُضمت الحقوق وطُمست الإنجازات تحت لافتات وطنية زائفة، لخدمة أهداف لا علاقة لها بالمواطن البسيط.
أولاً: عصر المجد الاستراتيجي (1967 – 1973)
لم تكن مكانة السودان الإقليمية وليدة الصدفة، بل كانت نتيجة دور محوري أفسد على إس.رائيل نشوة انتصارها في عام 1967، مما جعل السودان في نظرها “العدو الأول”:
1. مؤتمر اللاءات الثلاثة (1967): في قلب الخرطوم، صاغ السودان ببراعة محمد أحمد محجوب وإسماعيل الأزهري الموقف العربي الصلب: “لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف”. والأهم من ذلك، نجحت الوساطة السودانية في إتمام الصلح التاريخي بين الملك فيصل وجمال عبد الناصر.
2. وادي سيدنا.. الحصن الطائر: عندما شُلَّت المطارات المصرية، فتح السودان قاعدة وادي سيدنا العسكرية لتكون منطلقاً لإعادة بناء سلاح الجو المصري بعيداً عن أعين الرادارات، مما وفر العمق الاستراتيجي لنصر أكتوبر.
3. ح.رب أكتوبر 1973: كان السودان أول من ساند بالعبور، وفتحت الخرطوم أراضيها للطيران المصري، مما ثبت حقيقة أن السودان هو الرئة التي يتنفس منها الأمن القومي العربي.
ثانياً: فخ الارتداد.. من “القومية” إلى “الأممية الزائفة”
هنا تكمن المأساة الحقيقية؛ فالمواقف الصلبة في اللاءات الثلاث والدور الاستراتيجي في ح.رب أكتوبر خلقت فضاءً سياسياً جعل السودان قلب العروبة النابض. كان المسار الطبيعي يحتم انتقال الدولة من الإطار الوطني إلى تعزيز الفضاء القومي، وصولاً إلى الأفق الإنساني العالمي كدولة رائدة.
لكن دخول الجماعات الإسلامية أفسد تلك الأجواء تماماً، وأحدث “ارتداداً” عنيفاً في بنية الدولة. وبدلاً من استثمار الزخم القومي، قامت هذه الجماعات بقطع الصلة مع المحيط الطبيعي، وقفزت بالسودان قفزة قسرية من “الإطار القطري الضيق” إلى “الحركة الإسلامية العالمية”. هذه القفزة لم تكن توسعاً، بل كانت هروباً من استحقاقات الوطن وتفكيكاً لمنظومته القومية لصالح أجندة أيديولوجية عابرة للحدود، مما حوّل السودان من دولة محورية إلى منصة “تجارب” أدت في النهاية إلى عزلته وتفتيته.
ثالثاً: اختراق الدولة.. الأيديولوجيا والماسونية المقنعة
تحت شعارات الدين والممانعة، بدأت عملية “تفكيك ممنهجة” للدولة من الداخل لخدمة هذا المشروع الأممي:
• إضعاف المؤسسة العسكرية: لصالح خلق أجسام موازية (ميليشيات) لضمان بقاء السلطة لا بقاء الوطن.
• تفتيت النسيج الاجتماعي: يرى المحللون أن ممارسات هذه الجماعات خدمت الأجندات الخارجية التي تسعى لتفتيت السودان، لدرجة أن البعض اعتبرهم أدوات تنفذ أجندات “ماسونية” بوشاح إسلامي لإخراج السودان من معادلة القوة الإقليمية.
رابعاً: الح.رب الحالية.. “صناعة الجوع” وكسر الإرادة
الح.رب التي نعيشها اليوم هي نتاج “زرع” تلك الميليشيات التي صُنعت لخدمة الأنظمة الشمولية.
• استراتيجية الصدمة: تم تدمير البنية التحتية عمداً لتحويل المواطن من “ثائر يطالب بالحقوق” إلى “إنسان منهك يطارد وقية سكر”.
• لعبة الإركاع: يعود “الكيزان” اليوم بمشهد مسرحي، يوزعون المساعدات على النازحين في محاولة يائسة (فرفرة مذبوح) لشراء الولاءات بالخبز بعد أن سلبوا الشعب أمانه وكرامته.
خامساً: شتات العقول وضياع المستقبل
أخطر مخرجات هذه الح.رب هي “التشتت القسري”. الشباب الذين صنعوا الثورات هجروا البلاد؛ منهم من ابتلعته البحار، ومنهم من سافر ليبني بلاد الآخرين. هذا الإفراغ الممنهج للعقول يترك الساحة فارغة للسياسيين ليعبثوا بما تبقى من جراح.
خاتمة: متى تنطفئ نار الرماد؟
إن الإجابة على سؤال “متى يعود السودان؟” قد تستغرق ثلاثة عقود من الزمان؛ وهو الوقت اللازم للتعافي من “شلل التفكير” الذي فرضه الجوع والنزوح، ولإعادة بناء هوية وطنية لا تبيعها “وقية سكر”. السودان اليوم يعيش مخاضاً عسيراً، والثورة لا تزال “تحت الرماد”، تنتظر لحظة الانتعاش المعنوي لتنفجر في وجه من أشعل الحريق طمعاً في حكم “الخراب”.

Leave a Reply