د. حنان الهادي
كانوا أول من جلس أمام شاشة مضيئة في بيت تقليدي،
وأول من أنشأ بريداً إلكترونياً باسمٍ مستعار،
وأول من اكتشف أن العالم أكبر بكثير مما قيل له.
هم جيل Y… جيل الميلاد بين الثمانينيات وبدايات التسعينيات، الجيل الذي عاش الانتقال الكبير بين عالمين.
لم يولدوا وهواتف ذكية في أيديهم، لكنهم أتقنوا التكنولوجيا بسرعة أدهشت من سبقهم.
كتبوا واجباتهم بخط اليد، ثم قدّموا أبحاثهم عبر البريد الإلكتروني.
حفظوا أرقام الهواتف عن ظهر قلب، ثم فقدوا الحاجة إلى حفظها.
لم يكن الانتقال من الجين Z في المقال السابق إلى جين Y مصادفة، بل ضرورة لفهم الصورة كاملة. فالأجيال لا تُفهم منفصلة، بل في سياقها.
سُمّي هذا الجيل بجين Y لأنه جاء بعد جيل X في التسميات الغربية للأجيال، في تسلسلٍ أبجديّ بسيط. لكن المفارقة أن حرف Y في الإنجليزية يُنطق مثل كلمة “Why” أي “لماذا”، فبدأ كانّه علامة استفهام ممتدة، وكأن القدر اختار لهم اسماً يليق بطبيعتهم… جيل السؤال الدائم.
لماذا لا؟
لماذا ليس أفضل؟
لماذا لا نتغير؟
فكانوا جيل التحوّل.
وجيل التحوّل دائماً يدفع ثمن الانتقال.
فتحوا نافذة واسعة على العالم.
رأوا مدناً أكثر تنظيماً، وفرصاً أكثر عدالة، وأحلاماً قابلة للتحقق.
صار العالم في متناول اليد.
لكن الطريق إليه لم يكن واضحاً.
هنا بدأ القلق!.
لم يكن جيل Y كسولاً كما يُتّهم أحياناً،
ولا مدللاً كما يُقال.
كان طموحاً بدرجة أربكته.
تعلّم أن كل شيء ممكن، لكنه اكتشف أن ليس كل شيء متاح.
دخل سوق عمل متقلّب،
واستمع مبكرًا لعبارة: “طوّر نفسك .. طوّر نفسك باستمرار”،
وشهد تحولات اقتصادية وسياسية كبرى في عمرٍ كان يبحث فيه عن الاستقرار.
عاش لحظة شعر فيها أن صوته يمكن أن يُسمع،
وأن التغيير ليس مستحيلاً.
ثم تعلّم أن الواقع أعقد من الحلم،
وأن الطريق أطول مما بدا في البدايات.
ذلك التفاوت بين الحلم والواقع،
بين السرعة الرقمية والبطء المؤسسي،
بين الانفتاح العالمي والقيود المحلية،
صنع في داخله توتراً دائماً.
هو جيل سريع الإنجاز… وسريع القلق.
سريع التعلّم… وسريع الملل.
يحمل مهارات عالية… ويحمل شكاً عميقاً.
ليس لأنه ضعيف،
بل لأنه الجيل الذي حمل عبء الانتقال.
جيل قبله عاش عالماً أكثر وضوحاً.
وجيل بعده وُلد في عالم رقمي مكتمل.
أما هو، فكان الجسر بينهما.
وفي بيوتنا اليوم، نرى المشهد بوضوح:
أب يرى في ابنه استعجالاً،
وابن يرى في أخيه الأكبر توتراً،
وقليلون يرون أن جيل Y كان أول من جرّب العبور.
الحقيقة البسيطة التي نتجاهلها احياناً، أن كل جيل ابنُ زمنه.
جيل الندرة تعلّم الصبر.
جيل المؤسسات تعلّم الاستقرار.
جيل التحوّل تعلّم السرعة.
وجيل اليوم تعلّم التعدد.
الاختلاف ليس خللاً،
بل أثراً طبيعياً للزمن.
وحين نفهم أن قلق جيل Y ليس ضعفاً،
بل نتيجة انفتاح مبكر على عالم بلا ضمانات،
سنتوقف عن محاكمته… ونبدأ في فهمه.
ولأننا لا نعيش في زمنٍ واحد داخل البيت الواحد،
فإن فهم جيلٍ واحد لا يكفي.
كل بيت يسكنه أكثر من زمن،
وكل طاولة تجمع أكثر من تجربة،
وكل حوار يحتاج قدراً من العدل.
فهم الأجيال ليس رفاهية فكرية،
بل ضرورة اجتماعية ونفسية،
حتى لا يتحول الاختلاف إلى صدام،
ولا تتحول الفجوة إلى قطيعة.
وحين نفهم جيل التحوّل،
نكتشف أننا بحاجة إلى فهم الجيل الذي سبقه…
الجيل الذي تربّى على الصبر،
وحمل المسؤولية مبكراً،
وربّى أبناءه على الطموح دون أن يعيش طموحهم بالوتيرة نفسها.
في المقال القادم…
سنعود خطوة إلى الخلف،
لنقترب من جيلٍ لم يتعلم التعبير عن قلقه،
لكنه تعلّم كيف يخفيه خلف مسؤولياته.
فالقصة لم تنتهِ بعد.
الجمعة: 20 فبراير 2026

Leave a Reply