لا نقلب المعنى

صحيفة الهدف

د.توتا صلاح

ذات نهارٍ ضنينِ الشمس، كانت تسير في إحدى شوارع لندن الهادئة. كَسَتْ ملامحَها ابتسامةٌ لا تُشبه نصرًا، بل دهشة خفيفة، فقد رأت حلمها يخلع قسوة الانتظار ويتقمّص جسد الواقع.

جاءتْ إلى بلدٍ تاقت أن تلتصق به وتنام بين ذراعيه. لقد أتقنت لغتهم بما يكفي لتكسر الصمت، وبما يكفي أيضًا لتدرك أن الصمت لغة تتبدّل أقنعتها.

لم تخطئها عيونهم وهي تعبر بساقين طويلتين متينتين، كشجرتي بان واقفتين في إحدى شوارع الخرطوم. لم تتباطأ ولم تُسرع، كانت تعي أن الجسد حين يعتذر يُدان أكثر مما يُغفَر له.

هي لم تأتِ لتنتقم ولا لتقتصّ لماضٍ جريح. لم تحمل ماضيها كخنجر، بل كندبةٍ قديمة لا تؤلم لكنها لم تختفِ. كانت تعي كل ذلك، حتى حين تغمر جسدها كل مساء بعطر “الخُمرة” لتزداد سحرًا وغموضًا.

هي امرأة من نيلٍ جارف، أحرقت شمسُ الاستواء بشرتها، وتمرّد شعرُها الكثّ كعشبةٍ برّية نافرة نبتت بلا ترتيب، بلا خوف وبلا ندم.

لم تكن تبالي بذلك العاشق الذي ذرف دمعه وحروفه حبًا لابنة الصحراء، الآتية كعاصفةٍ رملية تهزأ بالمدن. ولم تُعر الآخر اهتمامًا؛ هجرته بلا تفسير، فالتفسير ترف المتردّدين. قال فيها: إنها كالحياة، مفاجئة تجيء بلا موعد، ومؤقّتة ترحل بلا إنذار، ويخطئ في التقدير من يطمئنّ إليها.

أما ذاك الذي ذاب وجدًا وتبتّلًا في عينيها السوداوين وكتب شعرًا عن الغرق في “نيلين” يحرقان العاشق كل ليلة، فلم تشعر بالقوة عندما ناولوها ورقة تحمل اسمها عشية اختاريه للموت.

وذلك الذي عزف موسيقى ماجنة لأميرة الظلام وسيدة الشمس وسادنة البدائية الأولى، لم تبكِ حين قيل لها إنه أُودِع مصحّةً منهكًا من عشقٍ أضناه.

في المحكمة، لم تُسأل عن التاريخ، ولا عن الاستعمار، ولا عن الاستلاب، ولا عن الذاكرة المسروقة. كان سؤالهم بسيطًا.. وحارقًا: الأخلاق!

عندها فهمت أن الخلل لم يكن في فعلها، بل في أنها امرأةٌ فعلت. تذكّرت “مصطفى سعيد”، وأدركت أن الحكاية لو كُتبت بضميرٍ مؤنّث لما سُمّيت وعيًا ولا تجربة ولا مقارعة للشمال.

لو كانت بطلة “موسم الهجرة إلى الشمال” امرأة، لانقلب المعنى بأكمله. ما يُعَدّ عمقًا حين يكتب الرجل سيُصنَّف كخطر قيمي، وما يُقرأ كنصٍّ عظيم سيتحوّل إلى مشروع اتهام أخلاقي.

خرجت من المحكمة وهي تعي أن العدالة لا تُهزم دائمًا بالفعل، بل أحيانًا.. بالجندر.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.