قبلة تخشى نهايتها

صحيفة الهدف

محمد عزوز

هكذا
تستعيد الحقيقة من الزيف جلبابها البيتيّ، ذو المزاج المرِح،
ذلك الذي مزقته السنين،
النوم عند الخليفة، دعكه عند صخور الأبد، طحنه بأسنان المشيئة،
غسله في وعاء الخطيئة، توريطه في الأيادي التي من اغتصاب.

وأيضًا هكذا
نعيد بعض الخصوبة
لبنات الحدائق
من شهيق السحاب،
تسترجل الطفولة في لحظةٍ منعشة،
توقظ دُماها الكسولة من القطن، تُجرب بلوغ أغاني النساء.

سمعتكِ حين قلتُ ذلك،
تقهقهين كالحظ السعيد،
تشكين أنتِ في أمر القصائد التي من أيادٍ تجامع أيادي،
وأفواه تُخبئ أفواهًا،
وأعين تُقشّر عن الروح كل اللحاء، وبعض اليقين الممزق
كثوب الفضيحة.

هل يغرق البحر في البحر؟
أسأل.
هل تضع الشمس يدها على وجهها وتلعن حر الظهيرة في الظهر؟
فكاهية أسئلة المتعبين من فداحة كل الوضوح الحقير،
الحقيقة التي ليست سوى مكيدة،
الخطيئة التي صمّم فستانها كاتب رديء في معابد الآلهة،
القُبلة التي تخشين بوحها لفمي،
ذلك أنها كل ما ادخرته من كلام.
تخشين أنتِ أن تنتهي…
تخشين أن تكوني محض قبلة،
ويكون الموت كل الفراغ الذي يتلو ذلك.

أيلول توضأ في كانون الثاني
ليلحق صلاة أيار الأخيرة.
من أي ترنيمة استعاد النجارون أخشابهم؟
الموتى مديونون لغابات دفنت أطرافها حيّة.
لو لم يكن خيال النجار قصيرًا مثل كلام الوداع،
ومثل أنفاس امرأة داهمتها أصابعها في زقاق الندم،

لأطلقوا سراح جميع الغابات،
لقاضوا الفؤوس،
لجلسوا القرفصاء لينصتوا قلبي يحاول أن يكتشف
من أي نهدٍ تقضم المرأة التي من مطر،
ومن أي ناحية يأتي الليل بلا أرجل أو أصابع أو نعاس.

ثملٌ أنت؟
تسألين.
لا،
أنا فقط حفيد التمر والذرة،
لهذا كلما شعرتُ بالخوف داهمتني دماء السلالة من ناحية الدوار.
هكذا تتخدر في الروح كل المدن،
فيخرج من حارات الدهشة بناتٌ من خزف،
مزامير لأنبياء انشغل المؤرخ عن ذكرهم،
وتخرج حشود من السكارى الحزينين،
يحملون أباريق أيامهم التالفة،
يشتمون جميع السلاطين الذين بلا أطفال من حلال،
وجميع النساء اللواتي نسين الطرق النموذجية لضم جسد من أسف.

مراوغ أنت، تقولين.
خيول حكايات كانت الجدة على وشك أن تتقيأها،
ولكن قطار الشيخوخة دهسها بين ركعتين
لتنزف الصمت في منزل القش.

(هييّي… جدتك ماتت بوعكة سكر)
تقولين.
لو كان السكر قاتلًا، لماذا لم يمت فمي حين نام بفمكِ؟
أيتها الكاذبة،
السكر لا يقتل، ولا العمر يقتل، ولا الموت حتى.
يقتل الحلم.
جدتي وُلدت في المرة الأولى فراشة،
وماتت قبل أن تطأ الضوء،
وعاهدت نفسها بعد ذلك
أن تُجرب الأبد في رجلٍ لا يموت.

ماذا تود أن تقول؟
ثقب الأوزون قد يقتل الأرض.
أنت تراوغ.
أمريكا تحاول أن تكون أولمبيوس، ولكن زيوس لم ينجُ من حرق روما.
قل الأشياء بطريقة أبسط.

أحبكِ،
لكنني أخشى من أمريكا وروما،
ومن غضب أمي،
ومن تهور ثقب الأوزون.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.