أمجد السيد
رحل محمد وردي، لكنّه لم يرحل عن الوجدان، لأن من يغنّي للناس يسكن فيهم، ومن يحمل همّ الوطن في حنجرته لا تمحوه السنون.
كان وردي أكثر من مطربٍ عذب الصوت؛ كان ضمير مرحلة، وصوت شعبٍ يتطلع إلى الحرية والكرامة. غنّى للثورات، وانحاز للفقراء، ووقف في صف الديمقراطية حين كان الوقوف ثمنه باهظًا. لم تكن أغنياته ترفًا فنّيًا، بل كانت بيانًا شعبيًا، ونداءً أخلاقيًا، وموقفًا سياسيًا واضح الانحياز لقضايا السودانيين في الداخل والمهاجر.
حين نقرأ كلمات الأستاذ محجوب شريف في «شعبًا تسامى» ندرك كيف التقت عبقرية الكلمة بصدق الأداء. النصّ يحتفي بالشعب السوداني، يرفعه مقامًا، ويجعله بدرًا يطلع من الزحام، ونخلةً تعطي طولها، وغابةً تضرب طبولها في وجه القهر. لكن الذي منح الكلمات أجنحتها، وحوّلها من حبرٍ على ورق إلى نشيدٍ خالد، هو صوت وردي.
يا شعبًا تسامى
يا هذا الهمام
تفجّ الدنيا ياما
وتطلع من زحاما
زي بدر التمام
نسمع وردي وهو لا يمدح شعبه من علٍ، بل يخاطبه من قلبه. صوته هنا ليس صوت فنان يؤدي، بل صوت مواطن يؤمن. وحين يقول:
ضد العنصرية
وتحلم بالسلام
فإنها ليست جملة عابرة، بل خلاصة مشروعٍ فنيّ وسياسيّ ظلّ وردي يدافع عنه طوال حياته؛ مشروع السودان المتعدد، المتسامح، الذي يرى في الديمقراطية ضمانةً للوحدة، وفي الحرية شرطًا للإبداع.
لم يهادن وردي الاستبداد، ولم يساوم على مبادئه. تعرّض للملاحقة والمنع والنفي، لكنه ظلّ وفيًّا لعهده مع الجماهير. كان يعلم أن الفنّ إن لم ينحز للناس يصبح صدى للسلطة، ولذلك اختار أن يكون صدىً للشارع، وصوتًا للطلاب، وللمزارعين، وللعمال، وللمنفيين الذين كانوا يجدون في أغنياته وطنًا مؤقتًا.
أم در والطوابي
في صدرك وسام
هذا السطر يلخص علاقة وردي بالمكان. أم درمان لم تكن مدينةً فحسب، بل كانت رمزًا للذاكرة الوطنية، للثورات، وللأغنية التي خرجت من الحارات لتصير نشيد أمة. ووردي كان أحد أبرز من صاغوا هذا الوجدان.
وفي ذكرى رحيله الرابعة عشرة، لا نرثي فنانًا بقدر ما نستدعي قيمةً. نستدعي زمنًا كان فيه الغناء موقفًا، والكلمة مسؤولية، والمنبر مساحةً للحقيقة. نستدعي معنى أن يكون الفنان منحازًا للحرية لا للسلطان، وللديمقراطية لا للقمع.
لقد علّمنا وردي، كما في ختام النص:
علّمنا الرماية
والحجا والقراية
والمشي بي مهابة
في الضحى والظلام
أن الفن يمكن أن يكون مدرسةً في الوعي، وأن الأغنية قد تربي أجيالًا على الشجاعة والحلم. وحين نحلم اليوم بسودانٍ يسع الجميع، خالٍ من العنصرية والحروب، فإننا نردد — بوعي أو بدونه — بعض ما زرعه وردي فينا.
رحم الله محمد وردي.
سيظل صوته يعبر الأزمنة، يذكّرنا بأن الشعب الذي يتسامى لا يُهزم، وأن الحرية — مهما طال الطريق — آتية لا محالة.

Leave a Reply