د. أحمد الليثي
عندما أنظر إلى الوراء
لا أبحث عن الندم،
ولا أفتّش في الخراب عن مذنبٍ أخير.
أنظر فقط
لأفهم كيف صرتُ أنا.
الطريق لم يكن مستقيمًا كما تخيّلت،
كان مليئًا بمنعطفاتٍ ظننتها أخطاء،
ثم اكتشفتُ أنها كانت دروسي السرّية.
بعض الوجوه رحلت،
لكن أثرها بقي كوشمٍ خفيف على الروح.
بعض الأحلام سقطت،
لكنها علّمتني كيف أمشي دون عكاز الوهم.
حين أستدير إلى الخلف
أرى ذلك الذي كنتُه:
أقلّ صبرًا،
أكثر اندفاعًا،
وأشدّ يقينًا بأن العالم يجب أن يكون كما أريد.
أبتسم له الآن
لا شفقةً،
ولا سخريةً،
بل امتنانًا.
فلولا عثراته
لما تعلّمتُ اتزان الخطوة،
ولولا انكساراته
لما عرفتُ قيمة الوقوف.
الوراء ليس سجنًا للذاكرة،
بل مرآة.
والمرآة لا تُعيد ما كان،
بل تكشف من ينظر.
الندم قراءةٌ ناقصة،
والفخر قراءةٌ متعجّلة،
أما الحكمة
فأن ترى المشهد كاملًا
بلا رغبةٍ في إعادة كتابته.
الوراء لا يدعوني للعودة،
بل يدعوني للفهم.
والفهم لا يغيّر الماضي،
لكنه يغيّر موقعنا منه.
وحين أرفع رأسي من المرآة
أدرك أنني لستُ مجموع ما حدث لي،
بل مجموع ما وعيتُه منه.
وعندها فقط
أعود إلى الأمام
أخفَّ…
كمن تصالح أخيرًا
مع نسَخه القديمة،
لا لينساها،
بل ليحملها بسلام.

Leave a Reply