د. امتثال بشير
الموسيقار محمد عثمان وردي أحد أعمدة الإبداع الفني السوداني الحديث، ترك إرثًا وبصمةً واضحة على الموسيقى والأغنية السودانية، وأسهم في تطويرهما وإدخال عناصر جديدة عليهما. حجز مقعدًا أماميًا في ساحة التجلي، وتميّز في نشر الثقافة السودانية من خلال أعماله الفنية المتفردة.
له صوتٌ غازل به الوجدان الجمعي للشعب السوداني والأفريقي معًا لعقود طويلة. لم يكن مجرد مطربٍ يقارع المايكروفون، بل كان مشروعًا متكاملًا فنيًا وثقافيًا، حمل هموم الوطن، وترجم آمال السودانيين وآلامهم إلى أغانٍ خالدة.
استحق وردي لقب الفنان والموسيقار الشامل؛ فقد وُلد في 19 يوليو 1932 بقرية صواردة شمال السودان، ونشأ يتيمًا بعد أن فقد والديه في سن مبكرة، فتربّى في كنف عمه، في بيئة نوبية أثّرت بعمق في تكوينه الموسيقي. كان محبًا للأدب والشعر والموسيقى منذ نعومة أظافره.
تلقى تعليمه الأولي في مدارس صواردة، ثم انتقل إلى مدينة شندي لإكمال المرحلة المتوسطة. عمل مدرسًا في مدارس وادي حلفا، ثم التحق بمعهد التربية بشندي، وتخرج ليبدأ حياته العملية معلّمًا بالمرحلتين المتوسطة والثانوية. غير أن شغفه بالموسيقى قاده إلى الخرطوم، حيث انطلقت مسيرته الفنية في خمسينيات القرن الماضي عبر الإذاعة السودانية، وسرعان ما لفت الأنظار بصوته القوي وطبقاته المتفردة وإحساسه العالي، ليصبح أحد أبرز نجوم الساحة الفنية.
ظل مدرسة فنية متفرّدة، وتميّز بقدرته الفائقة على المزج بين الإيقاعات النوبية والسودانية التقليدية والتوزيع الموسيقي الحديث، فصنع لونية خاصة به. تعاون مع كبار الشعراء، وقدم أعمالًا أصبحت جزءًا من ذاكرة الفن السوداني، منها:
«أصبح الصبح» – «الطير المهاجر» – «جميلة ومستحيلة» – «بناديها» – «العديل والزين» – «الحبيب العائد» – «أم درمان» – «أغدًا ألقاك».
كما ظلت أغانيه الوطنية حاضرة بقوة أثناء فترات التحول السياسي، حتى تحول إبداعه الفني إلى رمز للنضال والحرية.
ظل وردي وفيًا ومنحازًا لقضايا شعبه، وعُرف بمواقفه الوطنية الصادقة والجريئة، وتعرض للاعتقال والمنفى بسبب آرائه السياسية. هذه التجارب عمّقت إبداعه، فجاءت أعماله مشبعة بالحنين والالتزام والصدق والوطنية الحقة.
حصد وردي عدة جوائز تقديرية، منها الدكتوراه الفخرية من جامعة الخرطوم عام 2005 تقديرًا لمسيرته الفنية الثرّة، ولقب فنان إفريقيا الأول.
رحل وردي في 18 فبراير 2012، لكن إرثه سيظل حاضرًا وخالدًا في وجدان وذاكرة الشعب السوداني والمحيط الإقليمي. ستظل مدرسته الموسيقية المتكاملة أثرًا فنيًا ملهمًا تقتفيه الأجيال القادمة من المطربين والموسيقيين داخل السودان وخارجه.
وردي لم يكن موسيقارًا فحسب؛ اختار أن يكون صوتًا يصدح بحق الغلابة في السعي لنيل الحرية والسلام والعدالة. سيظل حاضرًا في ذاكرة الشعب الوفي، ونغمةً لا تغيب كلما احتاجها الوطن.

Leave a Reply