د. الشيخ فرح
حاجة (التاية)… هي الأم والجدة والحكيمة والمؤنسة، وهي كل هذه الصفات مجتمعة. لن تجد راحةً أكثر من حِجرها ولا حُضناً أدفأ من حضنها، رحلت وتركت ثوبها وعصاتها ومسبحة من الكهرمان الناصع تلمع في ظلام حجرتها الدافئة، وطرحة حمراء من الكستور الناعم تفوحُ منها رائحة المِسك والحبّة السوداء المميزة. رحلت ولم تترك حساباً في البنك ولا عمارة في شارع الستين لكن تركت محبة عامرة في قلوب الأبناء والأحفاد والأسباط والجيران، شاهدة على طيبتها وكرمها ومواصلة رحمها وتوددها للقريب والبعيد. كانت تقود أسرتها بحكمةٍ يحسدها عليها المهاتما غاندي وحزم تغبطها عليه مارجريت تاتشر.
فمن يجمع حكمة غاندي وقوة تاتشر سيحكم العالم إن أراد لا محالة.
تركت قصصاً تدلُ على حِنكتها وعقلها الراجِج وقصتها مع أم سيفين هي أحدي هذه القصص التى شاعت عنها.
وأم سيفين أمرأة على النقيض من حاجة التاية، إمرأة زادها الله بسطةً بالجسم فاكتفت بذلك، واصبحت تحكمُ عالمها على طريقتها الخاصة فتفرش بضائعها في السوق وتحاجج الرجال ويعلو صوتها ظالمةً أو مظلومة وتشرب سجارتها على الملأ غير عابئة بنظرات الرجال في مجتمعٍ كان يعتبر فيه التدخين حكراً للرجال وفي حكم الممنوع للنساء بما يُعرفن من حياءٍ يمنع الفعل قبل المجاهرة.
كانت أم سيفين تحمل أغراضها وتبدأ من محطة البص المقابلة لبيتها، فلا تجلس إلا في مقعد لوحدها تتحكر فيه كما البقرة في مراحها، وبصوتها الأجش تصيحُ في السائق:
-يا شيخ كسرت ظهرنا حاسب من الحفر.
فيرد السائق ساخراّ منها:
– أنا شايل كراتين بيض؟
فترد عليه صارخة:
– البيض اليخنقك… ثم تحجم عن تكملة باقي كلامها لبدأ نوبات سعالها المتواصل كالمعتاد كلما رفعت صوتها، فتسكت وهي تتمايل يُسرى ويُمنى مع البص.
مات زوجها وحضر كل الناس لتعزيتها رغبةً ورهبةً، فالخوف من لسانها الطويل هو أحد أسباب حضور هذا العدد الكبير من المعزين والمعزيات.
حضر الناس من السافل والصعيد ومن صباح ومن غرب، ومن مدن بعيدة ومن تخوم قريبة وحملوا إليها السكر والشاي والبن والتمر والدقيق ودموعهم الصادقة والكاذبة.
فامتلأ بيتها وفاض ولكن من يملأ عين أم سيفين.
كانت تنظر بين المعزين بعينٍ فاحصةٍ، ويسجل كمبيوترها أسماء الحضور كما يُحصِي الناظر طلبته في الطابور الصباحي في يومٍ شديد الحرارة.
لم تجد التاية بين المعزيات فبحثت عنها، وطافت بنظرها بين أكوام المعزين، وأخيراً حينما فاض بها الكيل لم تجد مناصاً من السؤال مباشرةً، فكانت الإجابة:
– لم تحضر.
غضبت غضباً شديداً ولم تجد شيئاً تعاقب به التاية في وقتها لكن ارسلت ألسنتها وجاراتها تخبرها بأنها تعرف كيف سترد عليها حينما تقابلها. وكانت تقول:
– عزيتها في زوجها وخالاتها وعماتها وواجبتها في جميع ولاداتها فكيف لا تعزيني في زوجي؟
كانت الحاجة التاية في أول يوم من العزاء مصابة بالملاريا، فانتظرت حتى اليوم الثالث من العزاء حتى تخف عنها الحمى قليلاً ولكن في اليوم الثالت وصلها خبر مشكلة ابنتها الوحيدة مع زوجها وأنهما على مشارف الطلاق إن لم يكن قد وقع بالفعل فسافرت على عجلِ وهي تنتفضُ من الحمى على أمل أن تعود في اليوم التالي أو الذي بعده إلا أنها لبثت سبعة أيامٍ كاملةٍ حتى اعادت المياة إلى مجاريها في بيت إبنتها.
لم تخبر حاجة التاية اي أحدِ بسفرها كعادتها في استعانتها على قضاء الحوائج بالكتمان كما أنها لا تفشي اسرار عائلتها لأي كائنٍ من كان.
خططت أن تذهب إلى أم سيفين في يوم حضورها من السفر، ولكن أتاها ضيوف من أقرباء المرحوم زوجها في نفس يوم حضورها من السفر فأفطروا وتغدوا وتعشوا ثم تمّطوا على الأسّرة ولم يغادروا إلا صباح اليوم الثاني.
أما أم سيفين فقد طوت مراسم وأشكال العزاء بعد مرور اسبوعين كاملين وتفرغت تماماً لصفحة تصفية الحسابات مع الذين لم يأتوا إلى العزاء وكانت على رأس القائمة حاجة التاية.
عدّت الأيام وحاجة التاية تحملُ هم مقابلة أم سيفين فتركت الذهاب إلى السوق وكذلك المناسبات في بيوت الجيران، ولا يمرُ يوم عليها إلّا ويصلها من الجيران من وعيدٍ و ثبورٍ وعظائم الأمور من أم سيفين مما صَعّب عليها أمر ذهابها للعزاء بعد ذلك.
وكان آخر ما وصلها من أم سيفين عن طريق جارتها فاطمة التى قالت:
– قالت ليك ما دايره تشوفك، وقالت كمان أخير ليك ما تجيها.
وهكذا مرت شهور على رحيل زوج أم سيفين، وكل يوم يمر علي حاجة التاية يزيد من همّها ويعقد قضيتها. اخذت تفكر في طريقة تخلّص بها نفسها من لوم تأخيرها عن العزاء ففكرت ثم دبّرت وأخيراً هداها تفكيرها إلى فكرة لم تخطر على بالها قبل ذلك.
اخرجت خاتم الجُنَيْه القديم الذي تلبسه ودعكت أطرافة بالليمون والملح فأصبح وجه الملك جورج بالخاتم يلمع في كل جانب كالجديد.
لفّته بعناية في طرف ثوبها وذهبت وهي تتوقع أن ينالها ما ينالها من أم سيفين ولكن إلى متى ستؤجل هذه المعركة الخاسرة من أساسها.
عندما وصلت إلى منزل أم سيفين ترددت قليلاً قبل أن تطرق الباب.
انفرج الباب بعد الطرقة الثالثة وكانت أم سيفين بشحمها ولحمها هي من فتح الباب.
كادت المفاجأة أن تعقد لسان حاجة التاية إذ توقعت أن يفتح الباب أحد الصغار فتكسب بعض الوقت لتجمع شجاعتها وتستعد قبل أن تواجه أم سيفين، إلا أنها تمالكت نفسها وفكّت خاتم الجنية من طرف ثوبها بسرعةٍ ومدته إليها قائلة:
-عاوزه أفدي تأخيري في العزاء بالخاتم دا.
برق الخاتم في ضوءِ الشمس فظهر الملك جورج أكثر سُمنةً وبريقاً، فأمسكت به أم سيفين ووضعته في أصبعها ورفعت كِلتا يديها قائلة:
-الفاتحة يا التاية.
يناير 2026

Leave a Reply